المهمة الأخيرة لعضو الإرتباط … بقلم صباح علي الشاهر

كل من ألتقيه يبدو مصدوما وغير مُصدق.. رصاص في الأزقة والحواري، ودم على إسفلت الشوارع , ما نفع هذه الجموع العزلاء، وما الجدوى، وألف ألف جسد عاري لن يقف بوجه فوهة مدفع ؟؟ , الصدمة والإحباط عنوانان للأحداث السالفة، لتلك الأيام شديدة البرودة والقسوة من شباط الدموي، الذي لأمر ما سُمي بالأسود، ولأمر شديد المفارقة والسخرية عدّت أحداثه ثورة ، ثورة موصوفة بكونها (عروس الثورات ؟!). على قدر إمكاناتي الفكرية والعقلية، لم أكن حينها حيادياً، لكنني كنت مشلولاً، مثلي في هذا مثل ملايين الناس الذين كانوا عاجزين تماماً عن القيام بأي فعل إيجابي، ما خلا التظاهر في الشوارع، أويكون التظاهر في الشوارع فعلاً إيجابياً بوجه (ردّة) متسلحة من رأسها حتى أخمص قدميها، ومشحونة بالثأرية التي يصعب تبريرها، والحقد، وافتقاد الرحمة، والقسوة اللامتناهية. بيان (رشيد مصلح ) الحاكم العسكري القاضي بإبادة المختلفين يُكرر ويُعاد عبر وسيلتي الإعلام آنذاك التلفزيون والإذاعة، المرئي والمسوع معاً، أما التنفيذ فكان يجري على قدم وساق، لا وقت (للثوار)، لذا فقد كان إطلاق الرصاص على المخالفين العزل هو اللغة المفضلة، وأقصر طريق يثبت فيه الثوري ثوريته! لا يوم موصوف بالدموية في تأريخ العراق الحديث كيوم الثامن من شباط عام 1963 وما تلاه، وصولاً إلى يومنا الحاضر، كل أيام الموت العراقية العبثية عوّالة عليه، لقد أدخل العراق في مجرى الدم، والدمارالمادي والمعنوي، الروحي والأخلاقي، وإلى اليوم يحتاج البلد إلى من يعالجه، ونحتاج نحن العراقيين، لا إلى من يواسينا، بل إلى من يداوينا. قال لي رفيقي وهو يسلمني البريد الحزبي : ربما هذه ستكون آخر مهمة، لم يعد البقاء في بغداد آمناً . كان علي أخذ الحقيبة التي لا أعرف ما فيها من (كاكا عبد الله الخباز) جوار وزارة الدفاع ، ومقابل طوب (أبو خزامة)، وإيصالها إلى الرفاق في الشمال. البريد الحزبي أنقله بالطريقة المعهودة، أما الحقيبة فما عليَّ إلا إيصالها لعنوان معلوم، لم يعرفه رفيقي، لكنه قال أن (كاكا عبد الله ) سيخبرك به . لأول مرّة ألتقي بـ( كاكا عبد الله) ، كان رجلاً لم يتجاوز بعد مرحلة الشباب، عندما قدّم لي اسم وعنوان الشخص الذي سأرسل الحقيبة والبريد الحزبي إليه عرفت إنه فعلاً خباز، فقد كان الطحين في أظافره. قال : إحفظ العنوان والإسم ثم مزّق الورقة . لم يكن من الصعب حفظ الإسم ولا معرفة العنوان، فليست هذه هي المرّة الأولى التي أذهب فيها إلى كركوك حاملاً البريد الحزبي، كما أن الإسم، وبالأخص اللقب، لم يبدو غريباً على مسامعي. كنت أعرف، وربما ملايين العراقيين يعرفون ( معروف برزنجي)، لكنني لم أكن أعرف (الشيخ لطيف برزنجي) الذي عليَّ إيصال البريد إليه. على غير العاده خُبّرت بأن أغيّر وسيلة النقل إلى كركوك ، ففي المرّات السابقة كنت أنتقل عبر القطار، منطلقاً من محطة شرقي بغداد، أما الآن فعليَّ السفر عن طريق الباص الذي يمر بسامراء ثم بيجي، فالفتحة، وصولاً إلى كركوك . لم نتعرّض إلى أي مضايقات، أو تفتيش مبالغ فيه في الطريق، ولكن في الفتحة، وهي المنطقة التي نعبر فيها دجله عبرعبارة، تأخرنا كثيراً، وهذا ما تسبب بأن اصل كركوك في الليل، وليس عصراً، وهذا ما زاد المهمة تعقيداً، وربما خطورة . تجاوزت القلعة الشهيرة .. كانت المصابيح كابية، والبرد يرّجفني، والطريق خال من المارة تماماً . قبل الوصول إلى الزقاق الذي فيه البيت الذي حفظت رقمه، إذا بشخص يصيح بي يطلب مني أن أقف. توقفت .. كان بضعة أشخاص مسلحين يتحلقون حول نار أوقدوها.. إقتربت منهم . سألني أحدهم : من أين أنت ؟ قلت : من بغداد. سأل : وماذا تفعل هنا ؟ قلت: جئت لزيارة خالتي . يبدو أنه استصعب أن يسألني من خالتك؟. نظرني ملياً، ثم طلب مني الذهاب إلى حال سبيلي. عندما تعرّفت على الدار طرقتها، بعد هنيهة فتحت إمراة الباب. كنت أرتعش، من البرد . أخذتني المرأة إلى غرفة الضيوف، ثم أوقدت مدفأة النفط، قالت : الشيخ لطيف غير موجود ، لكنه سيأتي بعد قليل، لقد أرسلت من يستدعيه. تدفأت، ليس فقط بدف المدفأة، وإنما بحسن الإستقبال والأريحية . قبل أن تصل صينية العشاء وصل الشيخ لطيف البرزنجي، فسلمته الأمانة، ثم تناولنا العشاء معاً، وطفق يسألني فأجيبه عن حال بغداد وأحوال الناس فيها. لم يكن الشيخ لطيف شيخاً، بل كان شاباً في مقتبل العمر، وهو ليس رجل دين بل معلماً، لكنه من أسرة ذات إعتبار كبير ليس بين أبناء كركوك، وإنما في كل كردستان، والعراق برمته. قبل حضور الشيخ لطيف كنت في منتهى التعب والنعاس، حتى أني لم أكن راغباً بتناول العشاء رغم جوعي، مع حضور الشيخ لطيف تغيّرت أحوالي، تيقضت كل أحاسيسي، ولم تعد لديّ أي رغبة في النوم، لم يتجاوز حديثنا الساعة الواحدة، لكن الرجل حفر صورته وشخصه في الذاكرة . في الصباح ذهبنا للإلتقاء بمحمد خورشيد في مقهى في شارع السليمانية، وهو الشارع المؤدي إلى مدينة السليمانية، وقتها كان الشارع في أطراف كركوك، كنا بإنتظار البريد المقابل ، البريد الذي ما أتى، ولن يأتي . قال الشيخ لخورشيد: لا يمكن تأخير الرفيق أكثر، فإما أن يكون هنالك بريد أو لا يكون. أضطررت للبقاء يوماً آخر ، ولكن من دونما جدوى . وأخيراً كان عليّ العودة من دونما حقيبة، ومن دونما بريد، أو رسائل مكتوبة، فقط جملة بالغة القصر ( تم العمل بما يلزم) . ( تم العمل بما يلزم) آخر ما نقله عضو الإرتباط شفاهاً، من منظمة منطقة كردستان، إلى قيادة الحزب التي مازالت تعمل في بغداد.
iNewsArabia.com > رأي > شبكة أخبار العرق | رأي