علي سالم: في الفن والسياسة.. يا قلب لا تحزن

لو كنت أعمل مراسلا صحافيا في مصر في عصر البرقيات، إذن لكتبت لصحيفتي أقول: «الصراع السياسي القادم في مصر في أروقة الحكم وعلى مستوى الشارع سيكون بين جماعة الإخوان المصرية والسلفيين الذين يمثلهم حزب النور». بعدها أعود إلى مكتبي لأكتب على مهل وأقيم الدليل على صحة برقيتي في 900 كلمة مستعينا بمفردات الإبداع الفني وليس السياسة وحدها. يحدث أحيانا مع بداية التدريبات على النص المسرحي، أن يشعر البطل النجم أو النجمة باستياء، وربما ينفجر غاضبا لأنه ليس راضيا عن «الدَخلة بتاعته»، أي عن لحظة دخوله المسرح، هو يطلب إعادة كتابة المشهد ليشد كلية انتباه المتفرجين، الواقع أنه لو فكر بنرجسية أقل لاكتشف أن المؤلف حرص على ذلك طبقا لأهم قواعد الدراما، وهي «نقطة الهجوم».. إنها النقطة التي تبدأ بها حكايتك، وهي ببساطة النقطة التي لا بداية قبلها. البداية الصحيحة تضمن بالفعل للبطل النجم أن يجذب انتباه الجميع، بل هي تعطي للمشاهد الفرصة للتعرف على كل أبعاد العمل في اللحظات الأولى. نفس الشيء يحدث أيضا في السياسة، النجم السياسي مزود بأجهزة حساسية غريزية تجعله يمسك باللحظة التي لا تنسى ليقدم نفسه لجمهوره. رئاسة الجمهورية في مصر طلبت من جميع المشتغلين بالسياسة أن يقيموا حوارا معها، وامتنع كل الفرقاء تقريبا عن تلبية طلبها، وأهمهم «جبهة إنقاذ مصر» الذين رفضوا الحوار كما رفضوا دخول الانتخابات المقبلة، ولا شك أنهم منشغلون الآن بالتفكير في طريقة أخرى لإنقاذ المصريين. غير أن قادة حزب النور كانوا منشغلين بإنقاذ أنفسهم كمشتغلين بالسياسة؛ لذلك انضموا لقافلة الحوار، كل المراقبين لم يجدوا شيئا جديدا في ذلك، ونظروا للأمر في تحليلاتهم باعتبار أن جماعة الإخوان تحاور جماعة الإخوان، وأنه لا أحد سيخرج بشيء من هذا الحوار. حتى بعد أن أتاحت الرئاسة له أن يكون علنيا ومذاعا على الهواء لكي يقول كل مشارك ما يشاء، وبعد قليل وعند نقطة آمنة من الحوار، طلب رئيس الدولة من رئيس الجلسة أن يسمح له بالمغادرة لارتباطه بموعد سابق. هنا بالضبط جاءت اللحظة التي كان السيد يونس مخيون رئيس حزب النور السلفي ينتظرها (تذكر هذا الاسم فستقرأه وتسمعه كثيرا في الأيام القادمة).. إنها اللحظة التي يجب أن يدخل فيها البطل النجم على المسرح، هنا قرر يونس ألا يبتلعه الحوت. أن يغادر رئيس الدولة جلسة الحوار لمساعديه ويغيب هو، تفقد الحوار طبيعته المسرحية وتحوله لجلسة كلام يتم من خلاله تقديم طلبات ترفع لرئيس الجمهورية من خلال مساعديه. لكي تتخيل الموقف على نحو أفضل، أريدك أن تتخيل لقاء بين قيس وليلى، يعلن فيها عن مشاعره ورغباته، ثم تتخيل قيسا وهو يقول لها: يا حبيبتي.. أنت تعرفين كم أحبك وكم أنا مهتم بك.. ولكن اغفري لي أن أغادر الآن لموعد أنا عاجز عن تأجيله.. سأترك لك مساعدي عفرم، قولي له ما تريدين وسيبلغني به.. يا عفرم.. تعال يا بني اسمع ستك ليلى وشوف عاوزه إيه.. وقول لها اللي قلت لك عليه. وينصرف قيس ويتقدم عفرم من ليلى ويقول لها: رجاء التكرم بالعلم والإحاطة يا آنسة ليلى أن سيدي قيس يحبك حبا ملك عليه شغاف قلبه.. بماذا تردين عليه يا آنستي المبجلة؟ أرى أنك عجزت عن هضم هذا المشهد أو استساغته، ولذلك سأعود بك إلى مشهدنا في قاعة الرئاسة، في تلك اللحظة قرر السيد يونس أن ينسحب من جلسة الحوار، هو هنا يريد الخروج من المشهد ليدخل التاريخ؛ لأنه على يقين أن الرئيس لن يسمح بهذا النوع من فشل الحوار، ولذلك قرر أن يبقى في مكانه ليستمع إلى طلبات (أخويا يونس) وإذا كنا نقول في مصر «مش كل الطير اللي يتاكل لحمه»، فلا بد أن زعماء ومفكري جماعة الإخوان أدركوا في هذه اللحظة أن «مش كل يونس يبلعه الحوت». أريدك أن تلاحظ الطريقة التي قرر بها الرجل أن ينسحب، أريدك أن تستحضر الحركات التي قام بها، في البداية يخلع نظارة القراءة ثم يغلقها، ثم يتناول حقيبة أوراقه ويخرج منها جراب النظارة ويفتحه على مهل، ثم يضع فيه النظارة بعناية، ثم يضع الجراب في الحقيبة، هو هنا يتيح الفرصة والمزيد من الوقت للرئيس لمراجعة قراره، وهذا ما حدث فعلا، وبدأ (أخويا يونس) يتكلم ليعلن عن ظهور منافس جديد عنيد في الحكم، وإنه إذا كانت جماعة الإخوان ومعها حزب العدالة تلعب الدور الرئيسي في الإسلام السياسي، فجماعة النور ليست موالية لها، ولها عليها مآخذ كبيرة وكثيرة.. الكلام الذي لم يقله وأدركته أنا على الفور هو.. نعم، أنتم إسلام سياسي ونحن إسلام سياسي.. ولكن عليكم أن تتنبهوا إلى أن «البحر واحد ولكن السمك ألوان» كما يقول الموال المصري القديم. كل التيارات السياسية في مصر تقول إن جماعة الإخوان قامت بأخونة مناصب الإدارات المحلية في المحافظات تمهيدا للسيطرة على مصير الانتخابات القادمة ومسارها، غير أن حزب النور وحده هو الذي قام على مهل برصد كل التعيينات التي قامت بها الجماعة على مستوى المحافظات.. لقد قمتم بتعيين 13000 عضو في المحليات.. أقدم لكم الآن وثائق عن ثلاثة عشر منها، وسأقدم بعد ذلك وثائق عن العشرة الباقين. هل أعلن السيد يونس عن شيء جديد لا يعرفه أحد، الواقع أن إعلانه لا جديد فيه، غير أنه وبنعومة فائقة، في اللحظة التي كان يقدم فيها قوائم الأسماء الإخوانية، كان يعلن عن شيء آخر لا شك أن قادة الجماعة سينزعجون له بشدة وهو.. ونحن أيضا قادرون على الرصد والمتابعة وما تفعلونه في أي مكان نستطيع الوصول إليه ومعرفة ما يحدث فيه.. لكم رجال ومصادر في كل مكان.. حسنا، ولنا نحن أيضا رجال ومصادر في كل مكان... لكم أجهزتكم التي لا يعرفها أحد، ولنا أيضا أجهزتنا التي لا يعرفها أحد.. وإذا كان شعاركم هو (وأعدوا) فنحن أيضا نعد. هذا هو المشهد الذي يعلن عن بداية الصراع الواضح بين جماعة الإخوان والجماعات السلفية في مصر بقيادة حزب النور. بالطبع أنت تتوقع مني أن أتنبأ بالجبهة التي ستنتصر في الصراع القادم، آسف يا صديقي، لا أنا ولا أحد قادر على التنبؤ بطبيعة بقية مشاهد العرض المسرحي، كل ما أعرفه.. أنه في الحكومات الانقلابية، ينتصر في النهاية الجناح الأكثر تشددا. ربما تسأل: وماذا عن بقية نجوم المجتمع المدني؟ ماذا سيكون دورهم؟ وأرد عليك: من..؟ من تقصد..؟ ماذا تقول حضرتك؟ لم أسمعك جيدا.. هل تتفضل وتعيد السؤال مرة أخرى؟
iNewsArabia.com > رأي > صحيفة موطن الأخبار
علي سالم: في الفن والسياسة.. يا قلب لا تحزن,