استِعّباد السورييّن… من البعث إلى «السلطان»

يلوح مشهد سوريا عامة من الداخل والخارج انعكاسات عدّة، فيما تجذبنا لوحة الشمال السوري على وجه الخصوص. صورتان، بين خيارات متعددة مرّة، لا نستطيع الهروب من واقعيتها، ولا الفرار من مواجهتها.
فلو طرحنا أحد التساؤلين التاليين أمام من آمن بمفهوم الثورة السورية بالقول: هل الثورة خرجت بالفعل لإنتاج حكم ديمقراطي؟ أم أنها خرجت لغاية إسقاط شخص بشار الأسد؟ أم الاثنان معًا؟
سيترآى للبعض أنهما تساؤلان غريبان، ربما وذلك بمفهوم الإيمان بالخلاص من الاستبداد، لكن لو ربطناهما بما يدور في الشمال السوري حاليًا، لن تعود الغرابة قائمة، فنحن شهود على غزوةٍ تركيةٍ لمناطق ريفي حلب وإدلب، مصحوبة ببعض الفصائل السورية، وموافقة قوى سياسية سورية معارضة، وبتوافق مع روسيا الداعمة للنظام السوري، تحت شعار «محاربة الإرهاب».
لقد تم اختيار تجمع بفكر جهادي قاعدي، لدفع الثمن، فهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) ستكون «كبش الفداء» كطرف إرهابي يجب محاربته، وهنا بحكم أن النصرة عندما قامت بتغيير اسمها لم تغير عقيدتها وارتباطها بالقاعدة ألا يحق لنا التساؤل، هل إرهاب النصرة أمرٌ جديد؟
سنقف عند النصرة قليلًا، قبل إكمال الحديث عن غزوة «خليفة العثمانيين الجديد». فبالعودة لبداية تأسيس جبهة النصرة، لا يستطيع أحد نكران أنهم بالأساس انبثقوا عن فصائل تبنت الثورة في محاربة النظام، لكن بالطبع كان هناك توافق بين القوى السورية الفاعلة من تنشئتها، فالنصرة التي تشكلت في مناطق شمال شرق سوريا (روج أفا)، ليس على سبيل الحصر، بدأت قوتها تظهر أواخر عام 2012 وبداية عام 2013، بعد أن سقطت فصائل مثل «غرباء الشام» وغيرها في منطقة الجزيرة/ روج أفا، وفي مدينة «سري كانيه» تحديدًا، حيث دخلت تلك القوى إلى المناطق الكردية أواخر عام 2012 بإيعاز وبدعم من تركيا، وعبر حدودها من (معبر جيلان بينار) يقابلها مدينة (سري كانيه/ رأس العين) في الطرف السوري، كما يدرك القاصي والداني أن المجاهدين القادمين إلى سوريا سلكوا في الوصول الطريق عبر تركيا.
مذ ذاك الوقت بدأ نجم النصرة يظهر في مناطق عدة خارجة عن سيطرة النظام السوري أيضًا، وليس بخافٍ أن الكثيرين من قادة الجبهة هم من تلاميذ القاعدة، كما أن غالبيتهم عفى عنهم النظام السوري من سجونه مع بداية الثورة السورية 2011.
تلا مرحلة سقوط النصرة في المناطق الكردية بداية 2014 وطردها، انقسام في الصفوف، فمنهم من قتل ومنهم من فرّ، وبقية انضموا لتنظيم الدولة الإسلامية.
لقد حاول ناشطون من أبناء المنطقة إطلاق ناقوس الحذر من هذه القوى المتشددة (خاصة أنها انبثقت من بين قوى عسكرية سورية «الجيش الحر»)، عبر تحذيرات للقوى السياسية ومؤسسات الثورة والمجتمع المدني الفاعل، بضرورة عدم تبنيها، وصدها من أجل مصلحة الثورة طالما أن الهدف هو الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية. لكن نشوة الانتصار بالسيطرة على بعض المدن، والإيمان بالعسكرة، هاجسٌ طغى على المشهد السوري آنذاك، دون إدراك مخاطره.
بالعودة لصلب موضوعنا وهو التوغل التركي للشمال السوري، لدينا كسوريين تجربة قريبة مع تركيا عندما قامت بتشكيل (فصائل درع الفرات) التي استعادت السيطرة على بلدات جرابلس والباب والراعي ومناطق أخرى من داعش. الوصاية التركية في الحالتين جاءت بمسمى محاربة الإرهاب (ليس إنقاذ السوريين بالقضاء على النظام السوري كما اعتقد المؤيدون) فيما الواقع يقول غير ذلك. فالتجربة الأولى لم يأخذ التحرير فيها طابعًا سوريًا بقدر حجم الاستحكام والهيمنة التركية الواضحة، فالصور القادمة تظهر في تلك المناطق «المحررة» رفع الأعلام والرموز التركية، وصور السلطان التركي (رجب طيب أردوغان) المعلقة في الساحات وداخل المراكز بدل صور بشار وحافظ الأسد في وقت سابق. في المؤسسات والمراكز الفاعلة ترى اللافتات باللغتين العربية والتركية، مع وضوح تام لطغي الطابع التركي وانعدام الشخصية والسيادة السورية، حتى نظام المدارس والحدائق يظهران أنك تعيش في أراضٍ تركية لا سورية، عدا الحديث عن تجهيز والٍ تركي لإدارة جرابلس، كل هذا فيما القوى السياسية السورية المعارضة ممنوعة من التواجد في المنطقة، مع منع أي عمل فعلي لمنظمات المجتمع المدني السورية، وإدارة تتم عبر منظمات حكومية تركية يشوب أغلبها الطابع الإسلامي مثل الـ (IHH)، فيما القلة الموجودة من السوريين هؤلاء واجهة دعائية للأتراك هناك، فهل ستكون التجربة الثانية بأفضل من الأولى لحق السوريين!
إن القوى الفاعلة في الثورة السورية اعتادت عدم السكوت عن أي خطأ عبر الحملات والمناصرة وتحريك الإعلام والمجتمع المدني، لكن في حالة تركيا لم نشهد ذاك الحراك، عدا إدانة بعض المثقفين والناشطين، إضافة لتنديد الفاعلين الكرد السوريين، في حين أن الغالبية العظمى اتخذت من الصمت موقفًا، بل وصل الحال بالبعض من إجهار شرعية التدخل التركي. حال قوى الثورة السورية منقسمة بين قوى سياسية لديها مصالحها في تركيا فلن تحرك ساكنًا. وفاعلين من ناشطين وعاملين في مؤسسات المجتمع المدني منقسمون بين طرف يمنح المشروعية للأتراك من باب «المجاكرة»، وطرف آخر يخشى على مصالحه في تركيا بحكم أن مؤسساتهم تعمل من تركيا، وبالطبع هذا يدخل في إطار المصلحة الشخصية التي يزيح كل الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بالثورة.
حالة الغرابة الأخرى تأتي من «الثوار» الذين يعيشون خارج تركيا، ناشطون سوريون يقومون بنشاطات في أوروبا عادة، شاهدنا تحركاتهم ضد النظام وموقفي روسيا وإيران، لكنهم يعيشون الصمت مع التدخل التركي الأخير!. هنا تأخذنا الحيرة لتساؤلات بينها: هل بالفعل استسلم السوريون للواقع، أم هناك قناعة فعلية بأن تركيا ستكون المنقذ لهم!. ماذا لو كانت القوى المتواجدة في الشمال اليوم قوى عربية أو إقليمية أو دولية، ألن يكون الموقف مغايرًا خاصةً إن أعدنا شريط الحراك السوري الواسع تجاه الدعم الموجه من قبل الولايات المتحدة والتحالف الدولي للكرد فهم يعتبرون هذا الدعم «شروع في تقسيم البلاد»! إذا كانت نظرة غالبية الشارع السوري لموضوع التدخل التركي هو من باب ردة فعل ضد النظام فقط، فنحن أمام كارثة في المفاهيم والقيم. خاصة إذا تمعنا بالصور القادمة من ريفي حلب وإدلب التي تظهر التبشير والترحيب بالتدخل التركي. هذه الصورة ألن توحي بالمستقبل البعيد أن السوريين كانوا جسرًا وشركاء في عبور قوى أجنبية لبلدهم. هنا سيكون الفاعلون في مجالات المجتمع المدني والسياسي والإعلامي، أمام مسؤولية تاريخية، وشركاء بصمتهم في اثبات مرحلة جديدة من استعباد السوريين، بطلها السلطان التركي وذلك أثناء محاولتهم الخلاص من مرحلة استعباد البعث.
٭ كاتب كردي سوري

استِعّباد السورييّن… من البعث إلى «السلطان»

سردار ملا درويش

iNewsArabia.com > سياسة > القدس العربي
استِعّباد السورييّن… من البعث إلى «السلطان»,