موسكو… واستراتيجية استنبات الأذرع في سوريا

مما لاشك فيه أن نظام بوتين الروسي استطاع أن يعيد النبض لشرايين تنظيم بشار الأسد وبث فيه روح كادت تزهقها ضربات الثوار، بإعتراف الوزير لافروف الذي قال غير مرة أن موسكو تدخلت في سوريا قبل أسابيع من سقوط تنظيم الأسد، تصريح لا يدع مجالا لشك مشكك أن هدف روسيا من التدخل كان حماية تنظيم الأسد وليست له أي علاقة بمحاربة «الإرهاب» الذي رفعته شعارا لم تلتزم به باعتراف مراكز أبحاث دولية.
ولا شك أن بشار الأسد وبفضل التدخل الروسي الذي رجح كفته على خصومه على خلفية تدمير حلب وتوافق موسكو مع انقرة لإخراج الثوار منها، بات يشعر بفائض ثقة دفعته وحلفائه من الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات وبتواطؤ من عصابات pyd، وعلت همته حتى أنه تطاول إلى دير الزور. وخرق وقف إطلاق النار الموقع في القاهرة بضمان بوتين، الأمر الذي لم يرق لموسكو واعتبرته خروجا عن المسار الذي رسمته موسكو لمستقبل سوريا، الحفاظ على تنظيم الأسد مع تغييرات في إطار الصورة قد نسمع عنها قريبا من إقالة وزير الدفاع إلى استبدال وزير الخارجية.
روسيا باتت على قناعة تامة أن تنظيم بشار الأسد لا يمكنه منفرداً او متحالفاً مع الميليشيا الإيرانية متعددة الجنسيات أن يعيد السيطرة على كامل سوريا أو أن يعيد حكم عائلته في سوريا إلى سابق بطشها، وقد أثبتت التجارب أنه ما أن يغيب الطيران الروسي عن الأجواء الثورية حتى تفتك الفصائل المسلحة بالميليشيات الأسدية وتعاود السيطرة على كل ما فقدته خلال أشهر من المعارك بساعات قليلة.
بشار الأسد الذي تعتبره موسكو الرئيس الشرعي وتخفي عدوانها على الثورة السورية تحت مظلته وتعتبره الورقة الرابحة بيدها، تحتج بها على مناوئيها بالقول أن القوات الروسية في سوريا تشارك في الحرب على الإرهاب بناء على طلب رسمي من الحكومة الشرعية، بينما دوليا ليست له شرعية.
في العودة لتصريحات سابقة للرئيس الأمريكي ترامب قال فيها أن «إن مصير الأسد ليس عقبة» بهذا التصريح الترامبي افقدت واشنطن موسكو أهم أوراقها التفاوضية «مصير الأسد». بالاضافة لتصريحات الوزير «ريكس تلرسون» روسيا تمتلك الاستراتيجية الأوضح في الملف السوري.
يمكن في هذا المقام الاتكاء على تصريحات الرئيس الفرنسي» ماكرون» أن اسقاط الأسد كشرط للحل في سوريا غير فعال.
على هذا الأساس باتت روسيا تنسج استراتيجيتها لمستقبل سوريا، التي تقوم على بقاء تنظيم الأسد، لكن ضعيفاً خاضعاً لإرادتها.
الاستراتيجية الروسية الجديدة بدأت في تنفيذها منذ توافقها مع تركيا لإخراج الثوار من حلب.
وكانت تقوم على استنبات أذرع لها في سوريا، معالمها تقوم على محاور ثلاثة.
اولهما، إنشاء أذرع عسكرية لها في سوريا تخضع لسيطرتها المباشرة، فكان أن استنبتت الفيلق الخامس في الساحل السوري بعد فشلها في تشكيل «الفيلق الرابع – اقتحام« الذي كان هدفه دمج ميليشيات متعددة مدعومة من إيران والدفاع الوطني.
ومنذ أسابيع عادت روسيا لطرح تشكيل قوة موحدة من الميليشيات الأسدية بالإضافة للفصائل المسلحة لهذا الجيش تحت عنوان محاربة الإرهاب، وهي حركة التفافية على الثورة وفصائلها لإنهاء اي صراع مع تنظيم الأسد وطيها تحت الجناح الروسي.
الأمر الذي تنبهت إليه ورفضته معظم الفصائل الثورية التي تنظر للوجود الروسي على انه احتلال وهدفه وأد الثورة.
بالمناسبة هو المطلب الأمريكي نفسه من الفصائل التي تدعمها الاندماج في قوة واحدة تقاتل التنظيمات الإرهابية ولا تقاتل تنظيم الأسد الذي رفضته بضع فصائل فكان ان سحبت واشنطن الأسلحة المقدمة لها منذ أيام وأوقفت برنامج دعمها.
يبدو أن المحور الأول، تشكيل جيش موحد أو فيالق تتبع لموسكو قد فشل لأسباب متعدده نذكر منها عدم قبول الفصائل الثورية الاندماج مع تنظيم الأسد، وعدم رغبة إيران وتنظيم الأسد والميليشيات التابعة لهما الاندماج لأنه يجعل من روسيا المتحكم الوحيد باللعبة العسكرية براً وجواً، الأمر الذي يضعف إيران وحليفها الأسد الذي يتخوف من تخلي موسكوعنه في صفقة أو تسوية دولية وإبقاء شيء من زمام الأمور العسكرية بيده يتيح له هامش المناورة، ورغبة إضافية بتحقيق توازن بين النفوذ الإيراني الروسي حتى يلعب على هامش تناقضات المشروعين الروسي الإيراني.
المحور الآخر الذي لعبت عليه موسكو، كان العامل السياسي والدبلوماسي ولعبة المفاوضات، في ظل استراتيجيتها السابقة، الحفاظ على تنظيم الأسد، عملت روسيا على استنبات «استانا» كمنصة بديلة عن جنيف وبيانه الشهير الذي يطيح في أحد بنوده بتنظيم الأسد والذي نص على «تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات« هيئة حكم تعني الغاء كل ما هو قائم اليوم.
كما بات واضحا للمراقبين أن روسيا فشلت في تسويق استانا بديلا لجنيف بسبب عدم القبول الدولي لها، وأكد على أن الحل في جنيف وبيانه الأول، وفي آخر اجتماعات استانا استطاعت تركيا منع الفصائل المنضوية تحت جناحها بحضورالإجتماع.
باتت موسكو تشعر أن استانا لم يفلح في تسويق مشروعها، فكان لا بد من استراتيجية بديلة في ظل التقارب مع ترامب على هامش قمة العشرين، نحت موسكو منحى آخر بالتوافق مع واشنطن وبضوء أخضر منها، كانت نتيجته إعلان منطقة خفض التوتر جنوب غرب سوريا «درعا» وجوارها القريب من حدود فلسطين، وتم الحديث حينها عن تطبيق هذا الاتفاق في بقية المناطق «الغوطة الشرقية، وريف حمص الشمالي» واختارت له هذه المرة القاهرة أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان والقوة العسكرية وفي ظل التقارب السعودي المصري، وعلى انخفاض أضواء التقارب السعودي التركي على خلفية الخلاف الخليجي.
المحور الثالث، الأذرع السياسية لموسكو، كما تعلمون أن موسكو استنبتت معارضات متعددة تابعة لها، منها معارضة حميميم ومنصة القاهرة وتيار قدري جميل ومجموعته اليسارية.
ربما باتت روسيا تشعر اليوم أن منصة القاهرة وتيار قدري جميل ليس لديهما اي ظهير شعبي ولا يتعدى عدد اعضائهما المنصة ذاتها وأيقنت أن قدري جميل شخص غير مرغوب به ثوريا رغم أدائه التمثيل الثوري وأن السيدة رندة قسيس ورقة محروقة بسبب تصريحاتها الليبرالية المتطرفة، وهذا ما عبرت عنه أخيرا حين أيقنت القسيس أنها أصبحت خارج حسابات موسكو.
فكان لا بد لها من استنبات وتطوير ذراع جديدة فوقع الاختيارعلى تيار الغد السوري وزعيمه «احمد الجرباس الذي كان يحظى بدعم سعودي قبل انقلابه على السعودية وتغيير تموضعه إلى الصف الإماراتي، وما يدلل على ذلك ظهور «رجل الإمارات» الفلسطيني محمد دحلان مستشار ولي عهد أبوظبي في اجتماع الإعلان عن تأسيس ما سمي بـ «تيار الغد السوري» برئاسة أحمد الجربا، ويشاع أن أحمد قذاف الدم رئيس المخابرات الليبي السابق في عهد معمر القذافي، يقوم بتمويل نشاطات الجربا، الذي ينفق بسخاء لشراء الولاءات، ويتواصل مع مشايخ العشائر السورية. وشكل قوة النخبة التي تقاتل مع المتطرفين الكرد، ويتحالف مع تنظيم صالح مسلم الانفصالي.
يبدو أن روسيا وجدت في الجربا المستعد دوما لتغيير جلده وإعادة تموضعه حليفاُ لها واختارته ليكون رجلها في سوريا بعد أن خفتت الأضواء حول قدري جميل ورندة قسيس واحتراق هيثم مناع، ولؤي حسين.
يبدو واضحاً أن موسكو قرأت التغييرات الخليجية التي تسير لصالح الجربا، الخلاف مع إيران، وفتور العلاقات مع تركيا، ربما تتيح للجربا المناهض للتيارات الإسلامية حسب الرغبة الروسية الأمريكية أن يعيد صلاته بالسعودية ولعب دور البطولة في إغاظة الأتراك وأقصائهم قصراً عن لعبة مناطق تخفيف التوتر الذي ينسقها تيار الجربا، بظاهرها الإنساني وباطنها إقصاء الأتراك، من خلال عدم قبولهم كضامن ونقل الملف السوري للقاهرة، الشاهد أن «جيش الإسلام» المحسوب على السعودية وافق على هدنة الغوطة في القاهرة بعيدا عن الضامن التركي.
هكذا تستنبت روسيا أذرعها في سوريا، وتلعب على التناقضات الثورية، شراء الولاءات وتوزيع المناصب الوهمية المستقبلية أو بالقوة الجبرية العابرة للقارات على الفصائل الثورية.

كاتب وباحث سوري

موسكو… واستراتيجية استنبات الأذرع في سوريا

ميسرة بكور ٭

iNewsArabia.com > سياسة > القدس العربي
موسكو… واستراتيجية استنبات الأذرع في سوريا,