إسحاق القرشي.. سلاماَ


مكي أبوقرجة

[email protected]

كنت في عطلتي الصيفية التي أعقبت ثورة أكتوبر. كنا لا نزال في المرحلة الثانوية، إلا أن عودنا قد اشتد ولمسنا تحولاً عميقاً في وعينا. إزداد اهتمامنا بالأدب والثقافة. كنا نقرأ ونكتب نصوصاً شعرية. ونكثر من اللقاءات والنقاش. تعرفنا على بعض الأدباء الذين يتقدموننا في التجربة والدراسة. كان الشاعر الراحل عبد الرحيم أبو ذكرى أحد هؤلاء الأدباء. نشأنا سوياً في مدينة كوستي. كان يسبقنا بمرحلة دراسية كاملة. إلا أننا كنا لا نجد حرجاً في أن نتعامل معه بندية.. خاصة وقد كان إنساناً طيباً، رقيق الحاشية، موطأ الأكناف، هادئاً، قليل الكلام.

امتطيت ذات نهار غائظ دراجة عتيقة، هوجاء، متداعية واتجهت نحو داره.. التي كانت سكناً حكومياً ممنوحاً لشقيقه المرحوم عثمان. كنت أحمل معي قصائد للشاعر النور عثمان أبكر مطبوعة بالرونيو. أضحت فيما بعد ديوانه "صحو الكلمات المنسية". كان أبو ذكرى قد الح عليّ بإعادتها إليه قبيل عودته الوشيكة إلى الخرطوم. ولما بلغت المكان الواقع شرق سينما كوستي حيث محطة البترول "موبيل" – وأظنها الآن بتروناس – وموقف البصات واللواري، كنت أحاول تفادي جمهرة المسافرين فتعثرت الدراجة وسقطت على الأرض. تناثرت الأوراق بعد أن انفتح "السرج الوراني" كما كنا نسميه. وأخذ الهواء يدفع بها حتى ملأت المكان. أخذ الناس يجمعون الأوراق ويتجهون نحوي وعيونهم تتساءل بين مشفق وشامت. ظنوا أني سياسي شقي الحال يحاول توزيع المنشورات الشيوعية – هكذا في وضح النهار – في تلك الأيام التي شهدت انفراجاً سياسياً وعودة للحريات. إلا أن عقلية الظروف التي كانت سائدة في أيام نوفمبر لم تبرح الحياة. ترك شرطي المرور متابعة مهمته وأقبل مهرولاً نحونا. وجدني واقفاً ممسكاً بدراجتي بيدي اليسرى واستلم الأوراق من الفضوليين والحمقى بيدي اليمنى. نظر إلىَ مرتاباً وانتهرني.. ما هذا؟ لم أفرق أو اضطرب في مواجهته. كنت رابط الجأش لا أبالي. أجبته بأنها قصائد للشاعر االنور عثمان أبكر. فألجمه الجهل بما أقول ولكنه تماسك وقال: اليست هذه منشورات يعني؟ لم أكترث وشرعت اقرأ في نصوص الشعر. استعصى عليه الكلام المختلف وكأني اقرأ بلغة الطير. أصغى هنيهة مدعياً الفهم، ولكنه كان يحاول التماسك. ثم لم يلبث أن عبس في وجهي وأمرني بالانصراف. والجماعة حولي يتصايحون "أمشي خلاص.. أمشي خلاص". وكأنهم قد توسطوا واخرجوني من ورطتي. ولكنهم لم يدركوا بالطبع أن تكون تلك الأوراق تحتوي على شعر جديد بالغ العذوبة لشاعر شاب يؤسس لما عرف في وقت لاحق بمدرسة الغابة والصحراء. كانت تلك هي النسخة الوحيدة للديوان والتي كان يتعين على أبو ذكرى أن يعيدها حسب وعده للنور عثمان أبكر.

قفزت ممتطياً دراجتي وانطلقت نحو هدفي. كان شارع الأسفلت الأملس الناعم قد طاب لها واستهوتها قلة الحركة في تلك الأيام فتدحرجت بسلام. ولما تقدمت قليلاً تراءى أمامي شخصان. كان أحدهما عبد الرحيم أبوذكرى بقامته النحيلة، يمشي إلى جانبه شاب ممتليء العود، وسيم الطلعة. كانا يتجهان نحو منطقة السوق. فتوقفت أمامهما. وبعد التحية عرفني أبو ذكرى بصديقه إسحاق القرشي الذي جاء إليه في زيارة خاطفة سريعة. كان أبوذكرى يتقدم اسحاق في كلية الآداب بجامعة الخرطوم بعامين. جمعهما النشاط الثقافي فتصادقا. سلمت القصائد لأبوذكرى وعدت أدراجي إلى دارنا.

مرت سنوات قليلة والتقيت باسحاق مجدداً صديقاً لعدد من أصدقائي ومن بينهم طه النعمان. كان قد تخرج بالجامعة ونال مرتبة الشرف وعمل بالإذاعة السودانية لفترة طويلة من الزمن.. اتاحت له فرصة التعرف على عدد من الشعراء والفنانين ومثقفي الستينات. فقد كان ودوداً طيب المعشر. ولم تلبث أن أطلت مايو بخيرها وشرها وقررت تطوير مؤسسة الشرطة وتعيين جامعيين ليشغلوا وظائف وكلاء نيابة. تقدم اسحاق بطلبه وتم قبوله على الفور. وبعد أن اكتمل عددهم إبتعثوهم إلى المانيا. وبينما كانوا عاكفين على الدراسة وقع إنقلاب يوليو. ويبدو أنهم كانوا تحت رقابة ما فلاحظت ما أبدوه من مشاعر طيبة تجاه الانقلاب والفرحة التي لم يستطيعوا إخفاءها فعملت على إعادتهم إلى الخرطوم. لم تكتف بذلك بل أمرت بإبقائهم رهن الاعتقال. فكنا نزوره أنا وطه في معتقله فنجده ساخطاً ساخراً متبرماً. كشف لنا طريقاً سهلاً خفياً للتسلل إليه من وراء ظهر الحراس. فكنا نأتي ونقضي وقتاً طويلاً طيباً يتخلله الشعر والأحاديث العذاب.

لما أُفرج عنه عمل مدرساً للغة الإنجليزية بمدرسة الحصاحيصا الثانوية. يدرس ثم يعود إلى قريته أبو فروع. شاءت الظروف أن يزور الخرطوم للعلاج الذي إقتضاه الإقامة في العاصمة أياماً. ولحسن طالعنا إختارنا دون سائر أحبائه ليقيم معنا بأم درمان. قضينا أياماً مترعة بالثقافة والأدب وقراءة الشعر. نبقى بانتظاره كل مساء حتى يعود من العيادة فيشيع جواً من الإلفة والحبور. كنا في تلك الأيام نقيم أنا وطه – في حي أبو روف.. حتى جاءنا يوماً بالشوبلي الذي أضحى قصة لا نفتأ نذكرها فيعترينا ضحك يملأ أقطار نفوسنا. وباتت جزءاً من تراثنا الفكاهي في أيام الصبا.

وعندما تم اختياره في معهد تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها وانتقل إلى الخرطوم أمست غرفته في فندقه بالسوق العربي مزاراً اسبوعياً. نزور "لزيم الخان" كما كنا نطلق عليه، فنجد عنده دائماً نصوصاً شعرية ونثرية جديدة وكتباً وقصصاً وحكايات مشفوعة بتعليقاته الذكية المرحة وبمسحة خفيفة من لهجة أهلنا ناس بحر أزرق التي تضفي سحراً على اللغة. في ذلك الوقت اكتشف القائمون على أمر المعهد قدرات إسحاق المذهلة التي يحاول اخفاءها تواضعاً دون جدوى. وجدوه متفوقاً حتى على المعلمين الذين وفدوا للتدريس بالمعهد.

دعانا يوماً إلى قريته فقضينا ليلة من ليالي العمر غارقين في الأنس والفكاهة والحكايات المدهشة التي كان يجيد روايتها. كما أغرقنا بفيض من كرمه. فذبح وأولم وتناولنا طعام العشاء جالسين على البسط في شاطيء العاديك الجميل، وسط شباب عائلته الذين كانوا يحترمونه ويوقرونه ويمحضونه وداً وإعجاباً. كنا نتمنى أن نلتقي بوالده مولانا العارف بالله الشيخ محمد الأمين القرشي.. أحد طلائع العلماء الفضلاء والشعراء المحدثين. تخرج في كلية غردون قسم الشريعة في أول دفعة عام 1913م. وتنقل في مختلف مدن البلاد مخلفاً سيرة معطار وذكريات مواقف ظلت تتناقلها الأجيال. فقد كان خطيباً مفوهاً وشاعراً مفلقاً وانصارياً مجوداً لعقيدته. ولا غرو فجده المجاهد الأمير الشيخ محمد ود البصير. وهو من أبكار الدعوة المهدية والذي تلقى أول رسالة من الإمام المهدي تكشف له أمر الدعوة. كما هو حفيد للشيخ القرشي ود الزين – استاذ المهدي في الطريقة السمانية. وبعد أن أنهى خدماته في سلك القضاء الشرعي توجه بكلياته متفرغاً للتبشير بالدعوة الإسلامية. فكان يقضي معظم شهور السنة في مناطق جنوب النوبة. لم نتمكن من مقابلته لانه كان قد كبر وأسن وربما كان عليلاً في تلك الأيام. إلا أنه ظل حتى وفاته قوي الشكيمة شديد العارضة، زكي الفؤاد. توجهت مع صديقي مولانا مرتضى محي الدين راسخ لأبوفروع للعزاء. فصادفنا وفد الأنصار بقيادة السيد أحمد المهدي. وكان الناس في وداعه يكبرون ويهللون فأثاروا فينا كوامن أشجان مقيمة.

يستطيع البروفيسور إسحاق - العالم الثبت، واسع الاطلاع، والكاتب المطبوع والمثقف اللوذعي الموهوب - أن يكتب لنا سيرة والده كاملة لا مجرد شذرة مثل التي نشرها يوم الجمعة – أمس الأول. وهو مدخر لما هو أكثر من ذلك. فيا ليته يفعل ويعود للساحة الثقافية التي كان وعداً وأملاً في عرصاتها. وليت السودانيين يعلمون أي مبدع قد خطفته الأروقة الأكاديمية وأي شاعر قد فقدوه. لقد كان في أيام الجامعة علماً بين أضرابه الطلاب المثقفين والشعراء.

كان آخر عهدي بإسحاق قبل حوالي عشر سنوات وهو يدرس بجامعة العين في دولة الإمارات العربية.. وأنا أعمل في صحيفة "الأتحاد" بابوظبي. هاتفني وطفق يتحدث معي لفترة طويلة. اجتررنا خلالها كثيراً من القصص والذكريات وتحدثنا عن ما تبقى لنا من آمال لم تعد عراضاً.

وعد بزيارتنا في أبوظبي حيث كان طه النعمان قد عاد إليها من واشنطن مديراً لصحيفة "أخبار العرب". بتنا في انتظاره مع الاتصال الهاتفي بين الحين والآخر وهاتفه مغلق في كل الأوقات حتى علمنا أنه عاد إلى السودان. ولما كان كثير التنقل بين جامعات العالم – استاذاً زائراً – ما كان يحدونا كبير أمل بأن نلقاه في عاصمة بلاده. فأجاني أمس الأول مقال كتبه في صحيفة السوداني يتعرض فيه لتجربة مرت بوالده في أحد مطارات السعودية فقدم له أحد زملائه القدامى بالجامعة عوناً واهتماماً بشأنه ما جعله يلهج بالشكر والعرفان حين عاد يروي تلك التجربة لابنه اسحاق.

في أيامي الأخيرة بأبوظبي كنت في زيارة لصديقي الأستاذ عبد المجيد بطران مدير مطبعة "الظفرة" فوجدت نسخاً متبقية من كتاب لنعوم تشومسكي ترجمه إسحاق مبسطاً ليعين طلابه في جامعة العين. وكمن عثر على قميص ابن يعقوب استأذنت عبد المجيد في أخذ نسختين، أعطيت إحداهما لصديقه طه النعمان واحتفظت باخرى ذكرى لتلك الأيام الخوالي.

وقبل حوالي عامين وفي مأتم المرحومة السيدة/ آمنة بنت السيد علي المهدي.. حفيدة الشيخ القرشي ود الزين وأرملة المرحوم كنتباي أبوقرجة قابلت نفراً من أهل اسحق فسألتهم عنه. أجابوني بأنه عاد إلى التدريس بجامعة الخرطوم. اتمنى أن يكون لا يزال رابضاً في عرينه القديم.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > سودانيز اونلاين