«الرحلة» نوع أدبي

تتخذ نظم الأجناس الأدبية موقعا مهما، وأساسيا في (نظرية الأدب)؛ ولهذا تُعد منجزا أمميا يشكل خطابه وجها متقدما من وجوه النتاج الحضاري الذي تتفرع منه شجرة إبداع الحياة الممثلة في الأدب، وأجناسه، والفن وأنماطه.
ومع صعوبة الاقتناع بوجود تعريف واحد للأجناس الأدبية؛ لأن فكرة الكتابة الأدبية متنوعة يسودها الاختلاف في الأساس، فإن هذه المقالة ترى أن أجناس الأدب اختزال منظم لشكل الكتابة الأدبية في كل عصورها، يفضي إلى تبين المزايا الخاصة باللغة الأدبية، والحدود الفاصلة بين أنواعها وأشكالها وأنماطها، فالجنس الأدبي اصطلاح مهمته تصنيفية في الأساس تحيل على خريطة الأنواع، والأشكال، والأنماط، وهي تتقاسم سلطة الفصل بين النصوص آخذة بنظر الاعتبار أن الفصل لن يكون (ميكانيكيا) يفضي إلى العزلة التامة المفارقة لمحيطها، وإنما هو فصل جمالي بين مدخرات لسانية تتسم بالتداخل، والاختلاف، ولكنها في النهاية تمثل موقف الإنسان من طبيعة الحياة وإشكالاتها.
لا شك في أن العقل النقدي العربي القديم بمدياته الزمنية المتوالية، استوقفته فكرة تجنيس الأدب، وتنويعه بعد أن قطع الأدب نفسه شوطا بعيدا في تأكيد وجوده، وتمثيل مواقف الحياة غير المحددة، وهذا يعني أن فكرة التجنيس كانت لاحقة لوجود الأدب، وانتشاره؛ لأنها ببساطة فكرة (نقدية) منظمة قامت على تأمل شكل الأدب، والبحث في هويته الأجناسية من خارج حقوله، وهذا ما جرى للنقد العربي القديم خلال قرون تفجره المعرفي، والإجرائي الذي قال بمقولات أجناسية هي في حقيقة أمرها استجابة لطبيعة الحاجة النقدية التي فرضت نفسها يوم ذاك من زاويتين متقاربتين:
الأولى: استحضر فيها الناقدُ القديمُ فكرة الأجناس الأدبية، وهو يعاين لغة النص القرآني الكريم، ويحاول تحديد لغته، من خلال قراءة الأجناس الأدبية المعروفة يوم ذاك، لكي يثبت أن جنسية القرآن لا علاقة لها بالأجناس الأدبية السائدة، وقد مثل هذه الزاوية خير تمثيل الجاحظ (255هـ) في «البيان والتبيين»، والباقلاني (403هـ) في كتابه «إعجاز القرآن» وغيرهما.
الأخرى: استحضر فيها الناقد القديم فكرة الأجناس الأدبية من فضاء الحاجة النقدية للأجناس نفسها، وقد مثلها ابن وهب الكاتب (335هـ) في كتابه المهم «البرهان في وجوه البيان»، وأبو هلال العسكري (395هـ) في كتابه المهم «كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر» وغيرهما.
مناسبة هذه المقدمة الوقوف على فكرة تجنيس(الرحلة) لغرض تحديد مصطلحها الأجناسي الحديث، ومعرفة موقعها في سلسلة التصنيفات الأجناسية المتعددة التي لاحقت متون الأدب العربي الحديث، وهذا يستوجب البحث في طبيعة (الرحلة)، وتحليل طبيعة خطابها الأدبي، واسترجاع الطبيعة الأولى لأصولها، وتحديد أبرز تشاكلاتها النصية، والاختلافية، والمهادية، وصولا إلى تجاوز الإشكالية الأساسية التي تقابل الباحثين، والدارسين في حقل الأجناس الأدبية التي تتمثل في معرفة الكيفية التي تتشكل فيها الأنواع الأدبية، فضلا عن معرفة الحدود الفاصلة بين نوع وآخر، وتقدير قوة تلك الحدود.
من الحقائق الثابتة في تأريخ الأدب العربي أن أدب الرحلات لم يكن جديدا على العرب، فقد قُدر لابن فضلان أن غادر بغداد عام (309هـ) إبان القرن الرابع الهجري، متوجها إلى بلاد الترك، والخزر، والروس، والصقالبة، وبعد عودته كتب رحلته الشهيرة في وصف تلك البلدان لتكون إيذانا بظهور أدب جديد في الثقافة العربية الإسلامية سُمي بـ(أدب الرحلات)الذي عرفه الناقد محمد صابر عبيد بأنه «سرد نثري يعتمد آلية الوصف المشهدي، ويقوم الراوي المرتحل الذي ينتقل بين المدن والأماكن بوصف مشاهداته، وهو يسخر حواسه كافة، ويشحذ إمكاناته لتعمل بأقصى طاقاتها في الملاحظة، والتصوير، والسماع، والمشاهدة، والتحسس والتذوق ليعكس نتائج ذلك في مدونات أدبية تصف وتصور المشهد الاجتماعي والإنساني في حدود زمكانية الرحلة».
ويبدو لهذه (المقالة) أن ابن فضلان كان من أوائل من استوقفته إشكالية تجنيس الرحلة بوصفها أدبا، فقد احتار في تحديد نوع ما كتب من نثر بدا جديدا على طبيعة الأدب يوم ذاك، وربما سأل نفسه: أين يضع نصه في ما عُرف من أنواع أدبية نثرية لم تتجاوز حدود الخطبة، والرسائل بأنواعها، والمقامة، والوصايا، والخبر، والنوادر والمُلح، وغيرها؟ وحين حانت لحظة اكتمال الرحلة بوصفها متنا لم يجد حرجا من إطلاق مصطلح (الرسالة) عليها، فسماها «رسالة ابن فضلان»، والرسالة نوع من الكتابة التي تتشكل وفق حاجات مختلفة تصنعها رغبة المرسل في الإخبار، أو الحكي، أو تمثيل واقع ما، لكن هذا النوع من الأدب خرج في العصر العباسي عن شكله التقليدي الإخباري الاتصالي إلى نمط من الكتابة السردية التي تُعنى بتمثل حالات مختلفة مثل: «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري التي كانت رحلة تخيلية إلى العالم الآخر، و«رسالة الزوابع والتوابع» لابن شهيد التي نحت المنحى نفسه، وغيرهما من رسائل اكتسبت شهرتها من خلال مضامينها.
ورسالة ابن فضلان التي كانت مزيجا من المشاهدة، والتوثيق التأريخي، والتسجيل الذاتي، جمعت بين الانطباع، وتقرير الحقائق، والوصف، فضلا عن أنها عنيت بطبائع الشعوب التي وقفت عند ثقافاتها، وأنشطة أهلها، وهذا يعني أن ابن فضلان كان قد وقف مليا أمام نفسه، وهو يكرر عليها السؤال المهم: ما الرحلة؟ وإلى أي أدب تنتمي؟ فاختار المصطلح الأقرب إلى ما يحيطه من أدب نثري ليكون مضمونها متسعا لقراءات مختلفة في ما بعد، غير أن السؤال الذي يثار الآن: هل يقتنع الناقد العربي الحديث بهذا المصطلح لتكون الرحلة (رسالة) في حدود تصنيفها الأجناسي؟ بدءا لا بد من الاعتراف بأن الرحلة العربية بعد ابن فضلان اتسعت الكتابة فيها لتشمل الثقافة العربية في مشرقها ومغربها بمقاصد متعددة، ولكنها على الرغم من ذلك ظلت بعيدة عن أعين النقد قرونا ليست قليلة، لأسباب كثيرة ترد إلى الإهمال الثقافي الذي أصاب الثقافة العربية في أدوارها التقليدية المتأخرة.
وحين طل العصر الحديث بمباهج رؤاه، وقدرة الترجمة التي قاربت بين المتباعدين، انكشفت حدود التجنيس في الأدب الحديث ضمن مقولات نظرية الأجناس الأدبية التي رأت أن الأدب: صنف ينقسم إلى جنسين رئيسين: الشعر، والنثر، وكل منهما ينقسم إلى أنواع، والأنواع بدورها تنقسم إلى أشكال والأشكال تحال على أنماط، في واحدة من أهم الإجراءات التي أسهمت في تحليل ظاهرة الخطاب الجديد، وفهم مقترباته.
تنتمي مقولات الأجناس الأدبـــية بوصفها ضرورات فنية إلى الخاصية المعيارية التي تلفت النظر إلى السمات الفنية التي تتمتع بها الأشكال الكتابية خلال التاريخ؛ ولهــذا كان للمعيار ولما يزل أثر في تحديد النوع الأدبي فهو يستند إلى طبيعة اللغـــة، وشكل البناء، ووجود القصد أيضا على أن المعيار نفسه لم يكن اختيارا محضا تستعيره الذائقة النقدية بدون أن تستند إلى جملة حيثيات، ومبادئ، وتصورات عمرها مئات السنين، لها تأثيرها الواضح في تقبل الأدب، وتنمية اتجاهاته، وإنما هو- المعيار- محصلة ثقافة عميقة مجالها الأدب وطبيعة فلسفته.
إن النثر المعاصر بوصفه جنسا يحال على أنواع أدبية تنتمي إلى متون تنتظم في نصوصها مجموعة سمات تركيبية، وفنية، وموضوعية تتقولب في شكل خطابي مفارق لغيره من خطابات الشعر المعروف شرطه الأساس تكرار البنى النثرية في متون تنفتح على: المقالة، والرواية، والقصة، والمسرحية، والرحلة، والسيرة، وغيرها، من هنا فإن عد المقالة (نوعا) نثريا يعني امتلاكها مزايا نصية لا يمكن أن تتواجد في أنواع أدبية أخــــرى، فهي بالضرورة تتبع جنسا أعلى هو النثر، وتنقسم أنواعها على أشكال واضــــحة، والأشكال لا بد أن تحال على أنماط، فهي بتشكيلها الأدبي فرضـــت سلطتها الجمالية والدلالية، قديما وحديثا لتكون نوعا أدبيا متصـــلا بعلوم الجغرافية، والتأريخ، والاجتماع، والأدب واللغة ليكون الانفــتاح فيها شكلا من أشكال التجاور الذي يتداخل في بنية أدبية شرطـــها التمازج المؤثر في المضمون الذي يتيح للمتلقي فرصة العثور على أنواعية أجناسية معرفية متعددة في شعريتها المستعارة من الشعر، ومن النثر، ومن الفنون المعروفة.

٭ ناقد وأكاديمي من العراق
استاذ البلاغة والنقد جامعة ديالى – العراق

«الرحلة» نوع أدبي

فاضل عبود التميمي

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > القدس