جدلية الزمان والمكان في شعر حميد سعيد

■ لا شك في أن الشاعر العراقي حميد سعيد بشعره المتميز معنىً ومبنىً، يستأثر باهتمامات الدارسين، فقد صدرت في السنوات الأخيرة مؤلفات عدة تتناول أشعارة بالتحليل والدراسة والتتبع النقدي، وآخر ما وقع بين يدي من إصدارات عن شعره الكتاب الموسوم بالعنوان «جدلية المكان والزمان في شعر حميد سعيد» للناقد السوري عصام شرتح، (دار البدوي، تونس، 2016).
وهو كتاب يقتصر فيه المؤلف على تتبع الإحالات المكانية والزمانية في دواوين حميد سعيد الأخيرة، بادئا بديوان «من وردة الكتابة إلى غابة الرماد» الذي صدر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق (2005) منتهيا بديوان «أولئك أصحابي» الذي صدر عن بيت الشعر في رام الله 2015.
والكتاب الذي يعد الثالث في سلسلة كتب المؤلف عن شعر حميد سعيد يقع في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، وبذلك يكون المؤلف قد أعفى القارئ من سأم المقدمات النظرية الطويلة التي يلجأ إليها بعض نقدة الأدب – لاسيما الرواية- حين يطيلون في الحديث عن موقع الزمن أو المكان في السرد الروائي، وأهميته القصوى. بيد أن عصام شرتح ـ ها هنا- ينطلق من مسلمات قد يختلف فيها مع القارئ. فهو لا يفتأ يكرر الموازنة بين مكانية القصيدة أو زمانيتها، ومكانية الرواية أو زمانيتها، متجاهلا أن الشعر يقوم على اللمحات السريعة، والإشارات الخاطفة العابرة للنصوص، من دون إغراق في التفاصيل، كما هي الحال في الرواية.
فهو ـ للأسف- يقتبس من مراجع تتحدث عن المكان أو الزمان في الرواية، معتقدا أنه بهذا يتحدث عن القصيدة. علاوة على أنه يخلط بين مفهوم المكان، من حيث هو علامة لغوية ذات دلالات في النص الشعري، والمكان من حيث هو بيئة حاضنة للشاعر، ومؤثرة فيه، وفي شعره، فالحديث مثلا عن طفولة حميد سعيد في (الحلة) وتأثيرها فيه، وفي ثقافته، وفي شعره، شيءٌ، وجدلية المكان في القصيدة شيءٌ آخر. ولتوضيح ذلك نشير إلى شاهد أورده المؤلف يقول فيه حميد سعيد ما يأتي:
أنظر من نافذة المشفى الموحش
كنت أحاول أن أخرج من غابة روحي
سوداءٌ غابة روحي
الصمتُ يحاصرني
في هذا المشفى
لا شيءَ سوى الوحشة
فالمؤلف يعلق على هذه الأبيات زاعما أن الشاعر يمر بحالة مرضية حادة، وأن هذه الحال تؤثر في رؤيته للأماكن، فتبدو له كالكوابيس، وتوقعه في حالة من التوتر والهذيان والإحساس بالقيود والاختناق. والحقيقة أن الشاعر لم يكن في حاجة لهذه الأحوال المرضية كي يصور علاقته بالمكان العراقي المحتل، فالأمكنة- ها هنا- ليست بالضرورة أمكنة حقيقية، كتلك التي يتحدث عنها الراوي في القصة أو الرواية، وقد لا يكون ثمة مشفى، ولا أبواب مغلقة، ولا طرقات، ودروب يملؤها العسس، وإنما هي صورة شعرية متخيلة تعبر عن المعنى بطريقة غير مباشرة، على النحو الذي أوضحه إليوت في الحديث عن المعادل الموضوعي. فأزمة الشاعر يمكن التعبير عنها في كثير من الأحوال بمثل هذه الصورة التي يتخذ فيها من المكان دالا رمزيا تتحرر به الكلمات من دلالاتها الوضْعيّة. وهذا يشبه استخدام درويش لاسم الأندلس، وحلب، في أداء دلالي لا علاقة له بهما مباشرة:
كنا هناك، ومن هنا ستهاجر العربُ
قصبٌ هياكلنا
وعروشنا قصبُ
في كل مئذنة حاوٍ ومُنْتحبُ
يدعو لأندلسٍ
إن حوصِرتْ حلَبُ
فالشاعرُ لا يتغيا بالإشارة لحلب، والأندلس، أن يعبر عن جماليات المكان فيهما، ولا تعدو أن تكون الإشارة إليهما ضربًا من الترميز الذي يومئ به للوضع العربي المتزامن مع كتابته القصيدة، واقترانه بوضع العرب في الأندلس عندما أخرجوا منها عنوة، وعبروا نازحين من منفى إلى منفى. ولهذا فإن المغالاة في الحديث عن جماليات المكان في القصائد أسوة بالحديث عن جمالياته في الرواية، فيما يذهب إليه غاستون باشلار وآخرون، نهْجٌ لا نراه مصيبًا، ولا حتى قريبًا من الصواب.
ومع ذلك، فإن المؤلف شرتح، الذي عُنيَ سابقا بمفاتيح الشعرية في قصائد حميد سعيد (دار صفحات، دمشق، 2016) وبـ(فضاءات جمالية في شعره، أزمنة، عمان، 2016) يبذل جهدا مشكورا ومحمودا في الكشف عن خصوصية المكان في بعض قصائد حميد سعيد، ففي الديوان «من وردة الكتابة» يجد المؤلف موقفين، الأول منهما منسجم مع (وردة الكتابة) أي أنَّ المكان يشهد على موقف الشاعر المرتبط ببغداد، وبالعراق، وبالحنين وبالتوق إليهما، فيما يكون الأخير «غابة الرماد» يشهد على ضيق الشاعر بالمرحلة التي تزامنت فيها كتابة القصائد مع الاحتلال الأمريكي. والواقع أن هذه النتيجة التي بسط الناقد فيها القول وأطال يمكن التوصل إليها من دون دراسة، ولا تحليل، وبلا شواهد تؤكد مصداقية الاستنتاج. فهل كان يتوقع المؤلف أن تكون رؤية حميد سعيد لبغداد، ومعالمها في ظل الاحتلال الفاشي، وهيمنة الطائفيين والفاسدين والعملاء الإيرانيين، هي الرؤية ذاتها قبل الاحتلال؟ لا نظنّ أنّ هذا مما يخطر لأحدٍ ببال. ولهذا فإنّ توكيده لاختلاف رؤية الكاتب للمكان والزمان في قصائده الجديدة – أي تلك التي كتبت بعيد الاحتلال- عن هاتيك التي كتبت في بواكيره، أو في دواوينه الأخرى، تحصيلُ حاصل، ولا يحتاج لا إلى تأكيد، ولا إلى طويل بيان.
ويقف بنا المؤلف في قراءته (الزمكانية) لديوان «مشهد مختلف» (2007) إزاء نماذج، وصور شعرية أخرى، تعمق إحساسنا بمعاناة الشاعر، ونزيفه الدائم بعد رؤيته لما حلَّ بالعراق. وهذا التغيير – مثلما أصاب الشاعر في الصميم – أصاب المكان أيضا. وأصاب الإنسان، وأصاب كل شيء: النخيل، والبساتين، والمقاهي، والشوارع، والحانات، والأصدقاء، وهبط الظلام القاسي على ليالي بغداد، طامسًا ما كانت تفيض به من أنس، وتموج به من سهر وأفراح.
وهذا كله لا يحتاج – في رأينا- لمقابلات، ومقارنات، إلا أنَّ الدارس- فيما يبدو- يستدرك على نهجه هذا، محاولا أن يخترع للزمن الشعري أنماطا وأنواعا، فيتناول الزمن الوجودي وحده، ثم الزمن التاريخي بعده، فالزمن الأسطوري، وهو بهذا التفريع يحاول سداد النقص الذي يشعر به القارئ جراء تتبعه الفجّ لمكانية القصيدة، وعلى الرغم من هذا تظل المصطلحات: وجودي، تاريخي، أسطوري، مصطلحات ملتبسة لديه، بدليل قوله، «إن الزمن الشعري في قصائد «مشهد مختلف» زمن حداثوي، مُدوِّن للواقع العراقي المرير، أيْ الزمن العراقي المعاصر الذي يجسد الاحتلال العراقي (كذا) بجرائمه، وانتهاكاته الكثيرة، والمتغيرات الوجودية، الحافلة بالأسى، والحزن المرير».
ففي هذا القول يتضح، وضوحًا لا لبس فيه، أن المؤلف لا يفرق بين الزمن الوجودي، والتاريخي والأسطوري والحداثوي. فكأنّ هذه التسميات ألفاظ مترادفة لمسمىً واحد، وهذا ضربٌ بعيدٌ من الظن.
وايًا يكنْ الأمر، فإنَّ القارئ يكاد يستحسنُ عرض المؤلف لقصائد حميد سعيد في «من أوراق المورسكي»2012 و»أولئك أصحابي» 2015. وهو في هذا إنما يسعى جادا للنفاذ عبر القراءة القائمة على تتبع النموذج التاريخي، وتراسل الأجناس في القصيدة، وانفتاح النسق الغنائي على الدرامي والاحتفاظ – ما أمكن – بحنين القارئ، وتوقه، لنقدٍ حقيقيٍّ ينفذ فيه الناقد من القشرة إلى نواة النصّ، وهذا كافٍ.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

جدلية الزمان والمكان في شعر حميد سعيد

إبراهيم خليل

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > القدس