«سيتكومات» رمضان ضحك على المغاربة عوض إضحاكهم… والبرامج التلفزيونية الحوارية تدفن الوعي

رغم أن أغلب المشاركين في مسرح جريمة «السيتكومات» التسلسلية، التي تقترف كل رمضان في حق المواطنين المغاربة اعترفوا طواعية في برامج حوارية عديدة – أحدها برنامج «المواجهة مع بلال مرميد»، الذي يبث على قناة «ميدي آن» الفضائية – أنهم لم يأخذوا أبدا هذه «السيتكومات»، إضافة إلى أغلب الأعمال الدرامية الرمضانية، التي تعكر صفو مائدة الإفطار المغربية، لم يأخذوها أبدا على محمل الجد.
بل اشتغلوا فيها في أغلب الأحيان من أجل الحصول على الأجر فقط، معتبرينها مجرد «بريكولات» عابرة، بل متنكرين لها وخجلين من الإجابة بخصوص أدوارهم التهريجية والهزيلة داخلها، التي يخرجونها أو يؤدونها في أغلب الأحيان دون حتى سيناريو، أو بسيناريو مرتجل ومهلهل لا يرقى إلى أدنى المستويات الفنية المطلوبة. ولا علاقة لكُتّابه في الغالب بكتابة السيناريو ولا بالكتابة الإبداعية بشكل عام.
إلا أن هذه السيتكومات ما زالت مستمرة في مهاجمة البيت المغربي عقب أذان كل مغرب طيلة شهر رمضان لأسباب مجهولة فارضة نفسها على المواطن، في غياب كامل لأي حسيب أو رقيب، وفي غياب كامل لأي مسؤولية، سواء من طرف منتجي هذه الأعمال ومخرجيها أو من طرف مشخصيها أمام الكاميرا.
في حوار للمخرج هشام العسري في برنامج «المواجهة» في صيغته الإذاعية، الرجل الذي سبق له أن كتب وأخرج سيتكوم «كنزة فالدوار»، أجاب بصراحة تحسب له، كما تحسب عليه أيضا أنه هو نفسه لم يشاهد سلسلة «كنزة فالدوار»، رغم أنه هو صاحبها، وأنه لا يشاهد سيتكومات مشابهة!
إجابة تدفعنا إلى طرح سؤال يفرض نفسه هنا: لماذا يتوجب على المغاربة مشاهدة سلسلة لم يشاهدها حتى صاحبها؟
الممثل محمد الشوبي يجيب في البرنامج نفسه عن سؤال حول سيتكوم «دور بيها يا الشيباني»، إخراج زكية الطاهري وزوجها أحمد بوشعلة.
سؤال مقدم البرنامج كان واضحا أن المخرجين فشلا في أن يجعلا من شخصية بوشعيب، التي أداها الشوبي شخصية مضحكة أو ذات فائدة.
الشوبي أيضا أجاب بوضوح في محاولة للتطهير النفسي أنها فعلا شخصية بلا فائدة، وأن فكرة «سيتكوم دور بيها يا الشيباني» من أصلها مأساوية تحكي قصة سيدة مريضة بالسرطان وشخص متقاعد يعيل بناته، لا علاقة لها بالكوميديا، وأن كل الضحك المرافق لخلفية المشاهد لتبدو مضحكة مجرد كذب. مضيفا أيضا أن «سيتكوم» من دون سيناريو مكتوب. منهيا إجاباته حول الموضوع بالاعتذار للمغاربة.
اعتذارات بعد فوات الأوان لن يستفيد منها المغاربة شيئا، رغم أن ذلك يحسب للشوبي ولممثلين كثيرين أو مخرجين أعربوا عن أسفهم إزاء المشاركة في هذه المهازل، بينما لم يعرب الآخرون وهم السواد الأعظم عن أي أسف، بل ما زالوا مصرين على السخرية من المغاربة والتهكم على الفن وقبض أجور كبيرة أو زهيدة مقابل ذلك.
مهازل تستمر هذا العام أيضا عبر «سيتكومات» تهريجية كثيرة كسيتكوم «الدرب» فكرة طاليس، سامية أقريو، أمين بنجلون، إخراج هشام العسري، وإنتاج نبيل عيوش، في ضحك واضح على المغاربة عوض إضحاكهم. ليبقى السؤال نفسه الذي يطرحه المغاربة كل رمضان في عود أبدي خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي: إلى متى ستستمر هذه المهازل؟!

تجريم الإفطار في رمضان

من الغريب والعجيب أن يجرم القانون فعلا في العلن ويبيحه في السر. يشبه هذا الأمر أن يجرم السرقة في العلن، ويبيحها في السر بعيدا عن أعين المارة والمراقبين والكاميرات.
يتعلق الأمر هنا بتجريم القانون المغربي للإفطار العلني في رمضان. دون اعتباره جرما في السر. موضوع يلقي بظلاله كل رمضان على المغاربة ليجدوا أنفسهم كل مرة أمام نفس الفزورة والمتاهة المتقنة التي بلا مخرج، منقسمين إلى مؤيد ومعارض، بينما يبقى الوضع على ما هو عليه كل مرة في انتظار رمضان مقبل. قناة «تيلي ماروك» الفضائية طرحت الموضوع للنقاش عبر برنامج منطقة محظورة، مستضيفة جواد الحامدي المنسق العام لحركة تنوير، شعيب فاتحي رئيس لجنة المغاربة المسيحيين، ومحاميا وطبيبا.
على عكس المنتظر فقد تبنى المحامي والطبيب نظرة محافظة جدا ودوغمائية مفادها أن قانون تجريم الإفطار هو قانون هدفه حماية المفطرين من تدخل المواطنين ضدهم وليس قمع حقهم في الإفطار، الأمر الذي يعني تجريم صاحب الحق من أجل منع مواطنين من ارتكاب جريمة دون حق.
لن تنتظر أبدا أن يعكس محام رأيا شعبويا لا علاقة له بالدين أصلا في نقاش من المفترض أن يعالجه – باعتباره محاميا- من زاوية قانونية بحتة، طالبا من المفطرين أن يفطروا في السر في منازلهم، كمن يطلب من لص أن يختبئ ليسرق. استغربت بداية عدم وجود فقيه ضيفا على الحلقة باعتبار أن موضوع النقاش هو رمضان الذي يعد طقسا تعبديا دينيا إسلاميا. إلا أن استغرابي سرعان ما تلاشى حين عوض الطبيب دور الفقيه بمحافظة لم تناسب أبدا لباسه بربطة عنق ووجهه الحليق ولا مركزه العلمي كطبيب.
بل أعتقد أن فقهاء كثيرين كانت آراؤهم في موضوع كهذا ستبدو أكثر اعتدالا وتسامحا وانفتاحا من رأي الطبيب ورأي المحامي. نقاش أريد له دائما أن لا يأخذ صبغة سياسية مفادها صهر كل الأطياف السياسية في بوتقة واحدة درءا لأي تعدد أيديولوجي أو عقدي قد يربك الأيدي الممسكة بخيوط لعبة السلطة في البلاد. الرأي المنتصر دائما في نقاش كهذا هو الإقصاء باسم الأغلبية وليس باسم الديمقراطية، إذ من المفرغ منه أن الأغلبية لا تصنع ديمقراطية في الضرورة بقدر ما قد تصنع الكارثة، خصوصا في أوطاننا هذه.
لنخلص دائما إلى أقلية مضطهدة ومقصية ومهضومة الحقوق، ليس على مستوى الإفطار في رمضان طبعا، الذي ما هو هنا إلا نقطة صغيرة في بحر متلاطم بل على كل المستويات.

مستوى البرامج الحوارية

تكرر أثناء الحلقة أن القانون المغربي لا يعترف أصلا بحقوق المسيحيين المغاربة، اللا دينيين المغاربة، والملحدين المغاربة، بل لا يعترف بوجودهم وحقوقهم من الأصل، في حين يعترف بحقوق اليهود المغاربة، وحقوق الأجانب كيفما كانت دياناتهم ومعتقداتهم.
تناقضات على مستوى التشريع والقوانين والسياسة العامة للدولة لا تطرح للنقاش بقدر ما يتوجه الاهتمام كل مرة إلى تكرار مصطلحات كالاستفزاز والاحترام والطقوس التي لا علاقة لها بالقانون ولا بالسياسة ولا حتى بالدين في جوهره المبني على حرية الاختيار.
السؤال الذي يطرح هنا هو إلى أي حد تساهم البرامج التلفزيونية الحوارية على مستوى الوطن العربي في الرفع من مستوى وعي المواطن بحقوقه ومصالحه؟ أم أنها تساهم أكثر في دفن تلك الحقوق والمصالح أعمق تحت تراب التعمية الإعلامية.

كاتب من المغرب

7gaz
«سيتكومات» رمضان ضحك على المغاربة عوض إضحاكهم… والبرامج التلفزيونية الحوارية تدفن الوعي

محمد بنميلود

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > القدس