مدن الأردن تمنع وزراء من الكلام وحوار الضريبة «المدني» تحول إلى انفعالات ضد السلطة

عمان – «القدس العربي»: مبكراً حصل المحظور الذي احتفظ به رئيس وزراء الأردن الدكتور عمر الرزاز من اللحظة التي أدرك فيها أن صندوق النقد الدولي متمترس وراء وصفته الضريبية ولن يسمح بهوامش مناورة.
إخفاق الحوار الحكومي مع المحافظات والأطراف بصورة لا يمكن انكارها مؤشر حيوي على تحقق هواجس الرزاز الذي قال في وقت مبكر وقبل نحو شهر إن حكومته في طريقها لفقدان «شعبيتها» بسبب انسداد الأفق الاقتصادي والاندفاع نحو الضريبة.
ردة فعل رئيس الوزراء المندهش طفت على سطح الحدث بعد ظهر أمس الثلاثاء وخلال محاضرة مع طلاب جامعيين حين اكتفى بالقول بان ما حصل في حوار حكومته مع المحافظات يحتاج لدراسة وتأمل. ولم يحدد الرزاز ماهية الذي ينبغي دراسته.
لكن عنصر المفاجأة من مبالغة مواطني المحافظات في رفض فكرة الحوار كان بادياً على ملامح الخطاب الرسمي ففي الوقت الذي كان فيه الرزاز يتحدث لطلاب جامعة حكومية ويترأس اجتماعاً يعنى بملف حقوق الانسان كان أهالي مدينة الزرقاء يمنعون وفداً وزارياً من الحديث داخل إحدى الجامعات أيضاً.
بدت مفارقة تستحق التأمل فعلاً حيث يتحدث رئيس الحكومة لطلاب جامعة العلوم والتكنولوجيا ويمنع المواطنون طاقمه من التحدث في الجامعة الهاشمية.
عملياً حاصر المعنيون في الزرقاء غرفة الاجتماع وتصدر الصياح واطلق هتاف يطالب الوزراء بالرحيل ولم يسمح لأي وزير بإطلاق أي عبارة عبر المايكروفون. وكانت تلك صدمة جديدة تتكرر للمرة الرابعة في غضون عدة أيام وحسب تعبيرات التواصل الاجتماعي سجل المواطنون ثمانية أهداف لصفر في مرمى الحكومة بعد إنتهاء او إنهاء ثمانية لقاءات عملياً بدون حوار حقيقي على تعديلات قانون الضريبة، الأمر الذي يقول الرزاز إنه يستوجب الدراسة ويتطلبها. يكرر المجتمعون للحوار تقليداً بدأ في مدينة الطفيلة ويتمثل في منع الوزراء من أي كلام وسرعان ما تسخن الأجواء ويطلق المتجمعون شعارات تطالب برحيل الحكومة. تلك آخر صرعات موضة الحراك الشعبي الأردني وتتمثل في منع الوزير من التحدث أمام الجمهور بصرف النظر عن ما سيقوله. استخدمت الحكومة كل الأوراق المتاحة لتخفيف حدة إنهيار شعبيتها بعدما توثق طاقم الرزاز وكما قيل في إحدى الغرف المغلقة من أن «الشارع لن يتسامح وسيحاول تدفيع الحكومة كل فاتورة الماضي». حصل ذلك فعلاً فقد طلب الرزاز من جميع الوزراء التجول في المحافظات للإصغاء لرأي الناس بتعديلات قانون الضريبة الجديد وشرح الأمر لهم. في تلك الحوارات أقفل المشاركون باسم الشارع كل نوافذ الحوار وتقدموا بطلبات «شبه مستحيلة» من وزن التراجع عن التخاصية وإعادة المال المنهوب وفهم الأسباب التي ادت لتفاقم المديونية. وفوق ذلك هتف البعض في قاعات الحوار مبكراً: «فلتسقط حكومة الرزاز» وطلب آخرون من الوزراء الحاضرين المغادرة وفوراً وفي بعض اللقاءات طلب من الأمن الحضور بكثافة لحماية المحاورين باسم الحكومة. وفي مادبا مثلاً نشر النشطاء صوراً لمدرعات درك أحاطت بمقر الجامعة الأمريكية حيث يفترض ان يجري حوار حول الضريبة. «ذلك تصعيد لا نستحقه»، قالها تلميحاً نائب رئيس الحكومة الدكتور رجائي المعشر في إجتماع مغلق. فمعسكر التيار المدني الذي يرى أن حكومة الرزاز بمثابة «فرصته الأخيرة» قلق جداً على مسارات الأمور فإخفاق الفريق الحالي يعني العودة لمربع الشخصيات الكلاسيكية وتعيين رئيس وزراء جديد من النادي المحافظ جداً والعودة للألعاب القديمة والتوقف عن نهج الإصلاحات. وما يهتم به الناشطون في التيار المدني حصرياً ليس عبور أو عدم عبور قانون الضريبة الجديد بل توفير فرصة أكبر ومواتية لإقصاء الرزاز من المشهد.
الرجل وفي السياق الداخلي يعرف المقربون منه إنه سيواصل المحاولة ولن يستسلم لكنه «لا يخسر الكثير» إذا خرج من المعادلة شعبياً او سياسياً. المطلوب من الليبراليين ودعاة الاصلاح والدولة المدنية منح الحكومة الحالية فرصة بالرغم من تعقيدات المشهد لأن عودة الصيغ القديمة هي الاساس اليوم اذا أخفقت محاولة الرزاز في بناء تصور جديد ومختلف.
لذلك توارت عن الأنظار نسبياً دعوات التصعيد الشبابية الحراكية بإسم التيار المدني خلال الساعات القليلة الماضية فيما يحاول الرزاز بناء نمط حواري مع المواطن مباشرة من المرجح انه خرج عن سكته ولن ينتهي بإنتاجية حقيقية. وثمة افكار عن عصيان مدني والعودة للدوار الرابع تراجع حيزها بوضوح آخر 48 ساعة حيث تكفلت المحافظات بإزعاج الطاقم الوزاري والتشكيك بالحكومة وسط مطالب بمراجعة النهج الاقتصادي برمته وليس التصعيد الضريبي فقط. وفجأة ذاب المناضلون الشرسون على فيسبوك وتويتر من شركاء الرزاز المنقلبين عليه. لكن لا أحد يعلم بعد هل هو غياب مقصود أم كمون تكتيكي؟
بصرف النظر عن إجابة السؤال الأخير ثمة قناعة راسخة لدى جميع الأطراف أن «التصعيد لا مصلحة لأحد فيه». لكن في قاعات الحوار الحكومي وبعد سلسلة اجتماعات المتاح الوحيد في القاعات وعلى الطاولات هو مؤشرات انفعال الشارع على وضد كل الملفات والقضايا وبدون أدنى رغبة من أي نوع للتجاوب مع الحكومة بمناقشة القانون الذي اعلنت انها تسعى للتحاور عليه.

مدن الأردن تمنع وزراء من الكلام وحوار الضريبة «المدني» تحول إلى انفعالات ضد السلطة

بسام البدارين

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > القدس