نعمان عاشور ـ رائد الواقعية المسرحية ونصير الغلابة

عشرة أعوام فقط هي فترة ازدهار وتألق الكاتب المسرحي المصري نعمان عاشور، الذي ولد في كانون الثاني/يناير 1918 وتوفي في نيسان/إبريل 1987 وبدأ حياته الإبداعية من 1960 إلى 1970 ليختزل في هذه السنوات القليلة ميراثا مسرحيا ثريا في قيمته ومضمونه، منحازا بطبيعته إلى السواد الأعظم من الجمهور، الفئات الأقل حظاً في الحياة أولئك الذين رمـــــز إليهم بعنوان هو الأنسب لوصفهم، إذ كتب مسرحيته الشهيرة «الناس إللي تحت»، تلك التي تحـــولت في ما بعد إلى فيلم سينمائي بالعنوان نفسه، قام ببطولته يوسف وهبي وماري منيب، وقد أشار في هذا العمل الفارق إلى التفاوت الفج بين الطبقات، وعرض لحالات العوز والفقر التي صارت قدر البسطاء وواقعهم المرير، دون قدرة على تجاوز الاحتياج أو مواجهة الفقر، ومن ثم فهم القابعون في القاع تحت مستوى الخدمات والامتيازات وأسباب العيش الكريم.
وفي مقابلة ذكية من الكاتب وضع النموذج الآخر من المحظوظين والموعودين بالرفاهية والسعادة في مواجهة المجتمع والدولة، لتتبلور الفروق وتبرز التناقضات بين شريحتين مختلفتين لمجتمع واحد، تفصلهما عن بعض مسافة شاسعة، فلا تشابه بينهما ولا محل للمقارنة، ولعل الشواهد والقرائن المقنعة والمحرجة في آن هي ما جعلت للنص المسرحي أهميته الكبرى بين ما كتب نعمان عاشور فتحول العمل الإبداعي إلى مسرحية وفيلم سينمائي، كما أسلفنا، وكان لكل منهما صداه الواسع ورجعه الذي يتردد إلى الآن.
الامتياز الفني ذاته حصلت عليه أعمال أخرى كان من بينها «عائلة الدوغري» وهو عمل مسرحي فارق أيضاً، ناقش الكثير من العورات الاجتماعية في مصر محددة بزمن ما قبل قيام ثورة يوليو/تموز، حيث كان المواطن البسيط يئن من كثرة الأثقال والأعباء، وهو ينظر نظرة غائمة لمستقبل مجهول لا يرى لنفسه فيه موضعا، غير حلم يتبدد كل يوم، في ظروف شديدة الصعوبة تجعل التخلص من الحفاء وارتداء حذاء يحمي القدم من التشققات أمنية عزيزة، وهي إشارة وردت صريحة من خلال شخصية علي الطواف، العامل البسيط في مخبز عائلة الدوغري، العائــــلة الميســــورة المنتمــــية إلى الطبقة البرجوازية المتوسطة باعتبارها تمتلك أدوات إنتاج، ويتمتع أبناؤها بقدر من التعليم والوعي الثقافي، هذه المسرحية تحولت إلى دراما تلفزيونية شارك فيها عدد كبير من النجوم، يوسف شعبان ومعالي زايد ومحمود الجندي وشفيق نور الدين ويسرى مصطفى وغيرهم، وكان لها حظ وفير من النجاح والانتشار بحكم قيمتها الثقافية والفنية.
وعلى المنوال السياسي الاجتماعي ذاته قدم نعمان عاشور روائعه المسرحية الأخرى، «وابور الطحين والمغناطيس وجنس الحريم وسر الكون وثلاث ليالي وبلاد بره وسيما أونطه»، مركزاً على النقد كوسيلة مثلى للمعالجة في الإطار الإبداعي الفني، مراهناً على الوعي الجماهيري اللاقط للتفاصيل والمنتبه للشكل والمضمون الرمزي في الكتابة، وأوجه التعبير المختلفة ذات الصلة بالفكرة الرئيسية، وقد تميز أيما تميز في هذه اللغة الجديدة التي جاءت نتيجة تأثره المبكر بتاريخ الجبرتي والأدب العالمي لتشيكوف وإبسن، وإزاء هذا التميز الواضح لقب نعمان عاشور برائد الواقعية المسرحية، وتم تكريمه بمنحه جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 68 وكان لا يزال شاباً حينئذ، ولكنه لم ينل حقه من التكريم اللائق رسمياً إلا بعد وفاته، إذ تم الالتفات إلى إبداعه على ضوء ما أحدثه من أصداء جماهيرية واسعة.

٭ ناقد مصري

نعمان عاشور ـ رائد الواقعية المسرحية ونصير الغلابة

كمال القاضي

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > القدس