ممارسات قبلية تقوِّض الوطنية

عبدالعزيز محمد الروضان

إذا كان الولاء للدين يأتي أولاً فإن بعد هذا الولاء يأتي الولاء للوطن. إن الانتماء والولاء للوطن قبل أن يكون سلوكاً حضارياً فإنه ولا شك مطلب دينيّ.. وقد ورد في بعض الآثار أن حب الوطن من الإيمان. إن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أخرجه قومه من بلده -مكة- مكرهاً صعد على قمة جبل من جبال مكة وقال كلمته المشهورة (لو أني لم أُخرج لما خرجت منك، وإنكِ لأحب الأوطان إلي). إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب يكنّ الولاء لوطنه ويقدسه ويفصح عن محبته له فحريّ بنا أن نسلك هذا السلوك في حب الوطن.. إذاً يجب ألا تكون هناك أمورٌ تصرفنا عن انتمائنا للوطن بأي حال من الأحوال.
ويلاحظ وجود بعض السلوكيات والتصرفات التي قد تنسينا الوطن، ومنها قيام بعضهم بتكريس مفاهيم القبيلة، مما يأتي على حساب الوطن. وقد أصبحنا نشاهد بعض الممارسات القبلية والاجتماعية التي تبعث بهذا الانتماء القبلي من جديد. إن الدين الإسلامي أتى ليذيب تلك الفوارق الطبقية منها والقبلية التي أحياناً تضرب أطنابها في نسيج المجتمع، فالدين الإسلامي حينما أتى لينشر نوره لم يفرق بين شخص وآخر إلا بالتقوى، ووضع الإسلام التقوى المعيار الوحيد من أجل المفاضلة ولا غير التقوى شيئاً آخر.. (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وهذا هو المعيار الوحيد الذي بينه القرآن الكريم من أجل المفاضلة بين الناس، وإن السنة هي الأخرى ذهبت إلى ما ذهب القرآن إليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قد عاب على ذلك الصحابي الجليل الذي ذهب يستحقر نسب شخص آخر ويعيره بنسبه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي (إنك امرؤ فيك جاهلية)، إن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما وصف هذا الصحابي بهذه الصفة فإن الرسول يدرك ما يقول. وإن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب يفاخر ببلال بن رباح ولم يذكر عمه أبا لهب.. إن الوطنية لن تكون في أسمى معانيها إلا عندما يكون الانتماء للوطن يأتي في الدرجة الأولى، قال الحكيم (لافونتين): إن من يُحسن الانتماء لوطنه يستغني عن النسب. إذا كان الإنسان وُجد ليناضل من أجل عقيدته فإنه كذلك يجب أن يناضل من أجل وطنه.. وإنه لخليق بنا ألا يشغلنا عن وطننا أي شاغل ولا يصرفنا عنه أي صارف البتة.. إن يوسف عليه السلام عندما أراد أن يأتي بأهله إلى مصر ذهب يعبر عن وطنه من مقومات الانتماء للوطن وهو الأمن، قال الله تعالى على لسان يوسف (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) ، قد يظن القارئ الكريم أن هذا النص ليس دليلاً على ما أنا في سياقه، كلا إنه الدليل بعينه، فيوسف عليه السلام ذهب يمجد وطنه ولم يمجد المقومات التي يمتلكها آنذاك وهي الملك، كأن يوسف عليه السلام يقول حب الوطن ينسينا ما سواه من مجد. إن الانتماء للوطن يجب أن تكرس مفاهيمه عند الناشئة وأن يرضعوا حبه مع حليب أمهاتهم.. ولن يتأتى ذلك إلا إذا كرس خطيب الجمعة والمعلم والمحاضر هذا الانتماء. إن الانتماء للوطن لا يتجسد فقط في عدم رمي المخلفات من نافذة السيارة وهي تسير في الشارع، بل إن الانتماء للوطن أبعد من ذلك بكثير، فالحفاظ على مقدراته والذود عن حياضه والدعاء له بالبقاء سالماً من عدو غاشم أو حسد حاسد أو كيد كائد.. إن حب الوطن والذود عنه دائماً تجسده خطب ولاة أمرنا حفظهم الله تعالى، أليس ولي أمرنا ما فتئ يقول (اثنتان لا مساومة فيهما الدين والوطن)، إن راية الوطن يجب علينا الانضواء تحتها وكل راية سواها لا يُلتفت إليها.. إن الذي يكرس جهوده لوطنه هو صاحب النسب العالي، إن ديننا الإسلامي حينما أمرنا وحثنا على إقامة الشعائر ذات الطابع الجماعي كالصلوات الخمس فهو يعلمنا أن نقف سواسية لا فرق لأحد على أحد. إذاً إذا كان الدين ينادينا على هذا الأمر على هذه الصفة فحري بنا أن نصطف جميعاً في صف واحد وأن نتفيأ راية الوطن ولا سواها. إن كان لمقالي هذا بيت قصيد فهو قولي: إن قيمة الفرد في المجتمع تكمن فيما يقدمه لوطنه ليس إلا. إن مفهوم المواطنة لن يترجم بالنعرات والفخر الجاهلي الذي يفضي إلى التمزق ويكرس وجود البغضاء والإحن، ولم تعرف الشعوب قاسماً مشتركاً يجمعها بعد دينها وولاة أمرها إلا الوطن. فالنعرات الجاهلية تعرضنا لهاجرة التمزق والفخر يعرضنا لزمهرير التشتت.

iNewsArabia.com > رأي > الشرق | رأي
ممارسات قبلية تقوِّض الوطنية,