«السلام الأزرق في الشرق الأوسط»: من أين نبدأ؟

مي الصايغ :جريدة الجمهوريةتنتشر في محافظة حلب وضواحي دمشق هذه الأيام ظاهرة غريبة، وذلك بفعل ندرة المياه التي تعاني منها غالبية المناطق السورية على خلفية الأزمة التي دخلت عامها الثالث. واقع دفع ليلى(إسم مستعار) وصديقاتها إلى استئجارغرفة في إحدى الفنادق، مقابل الحصول على حمام نظيف وساخن.حال ليلى لا تشكّل إستثناءً، إذ “تحوّل الإستحمام في الفنادق إلى ظاهرة، في أوساط الأسر الميسورة في حلب وضواحي دمشق، في ظلّ القصف المنهجي للبنى التحتية”، وفق ما يؤكّد أحد الصحافيين السوريين خلال مشاركته في المؤتمر الدولي “السلام الأزرق في الشرق الأوسط”، الذي عُقد في اسطنبول في 18 و19 آذار الجاري.

مؤتمر هدفه تمهيد الطريق أمام “تبادل الخبرات في مجال إدارة موارد المياه من خلال التعاون الإقليمي، وتسليط الضوء على دور وسائل الإعلام في تعزيز ونشر المعرفة والخبرات، في ما يتعلق بمسألة إدارة المياه، وفق ما يؤكّد رئيس تحرير مجلة Turkish Review”" كريم بالجي.

وقد تزامن مؤتمر اسطنبول الذي نظّمه مركز “Strategic Foresight Group” الهندي للأبحاث ومجلة”Turkish Review”، بالتعاون مع “الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي” و”الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية” وجامعة “Bahcesehir” التركية في مقرّ مجموعة زمان الإعلامية، مع اليوم العالمي للمياه الذي صادف في 22 الجاري.

وقد حضرته نخبة من الإعلاميين من لبنان والأردن والعراق وسوريا وتركيا وفلسطين والسعودية واليمن والإمارات والبحرين ومصر، ومسؤولون ونواب ووزراء سابقون وخبراء في المياه، وذلك لبحث تحويل مبادرة السلام الأزرق إلى تعاون عابر للحدود في الشرق الأوسط.

مبادرة أطلقتها “Strategic Foresight Group” عام 2011 مستوحية من شعارها “إبصار النور قبل شروق الشمس”. وتهدف إلى تحويل المياه في منطقة الشرق الأوسط، إلى أداة لصنع السلام، بدل كونها عاملاً لتأجيج النزاعات والحروب، من خلال تعزيز التعاون الإقليمي لتحقيق الأمن المائي في المنطقة.

والسؤال الذي أثاره مؤتمر اسطنبول، “لماذا لا ننطلق من المياه باعتبارها حجر الزاوية في التعاون بين دول الشرق الأوسط على غرار الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، التي شكّلت أساس التعاون الإقليمي في أوروبا في 1950؟”

ويؤكّد رئيس “Strategic Foresight Group” في الهند صنديب واسليكر أنّ المياه ستشكل أبرز التحديات المستقبلية في العشرين سنة المقبلة. ويقول لـ” الجمهورية”: “نحن كمن يريد السباحة في نهر لكن هناك تيار، فإمّا أن نهرب وندير ظهرنا للآخرين أو أن نغرق، وإمّا أن نتعاون ونكون جميعنا بأمان”.

ويشدد على أنّ الحلول “المستحيلة تصبح ممكنة عندما يكون هناك إرادة وعزم، ويجب بناء الثقة بين الدول التي تتقاسم المياه”. ويتساءل “هل ما حصل في أوروبا لا يمكن تحقيقه في الشرق الأوسط؟ “

ويحذّر من خطورة تدمير البنى التحتية للمياه، التي يستغرق إصلاحها 15 سنة على الأقل، وانعكاس ذلك على الأمن الغذائي والكهرباء والصحة والصناعة.

ويوضح لـ”الجمهورية” أنّ “Strategic Foresight Group” لن تقدّم حلولاً تقنية للبنان، لكنّ مهمتها تزويده بالمعرفة، وإطلاعه على تجارب الدول الأخرى ليستفيد منها في إدارة موارده المائية.

إدارة موارد، يبدو لبنان بعيداً عنها بسبب عدم توافر الإرادة السياسية لتطبيقها، والمضحك المبكي أنّه بلد يشتهر بثروته المائية. ويقول أحد الصحافيين اللبنانيين: “إذا أردت أن أشرب ليس لدي مياه شفة في منزلي، وفي حال توافرت، تكون ملوثة، وذلك بفعل سوء الإدارة وتضارب مصالح السياسيين”.

أمّا نصيحة” Strategic Foresight Group” إلى لبنان وفق ما وردت في تقرير” السلام الأزرق “، أن يسارع إلى تخفيض نسبة خسارته للمياه وضبط الطلب المتصاعد عليها من خلال بناء سدود، وإعادة تكرير مياه المجارير.

اسطنبول

وضع اسطنبول لم يكن أفضل حالاً من المدن اللبنانية مطلع تسعينات القرن الماضي. إذ كانت تقتصر فترة التغذية بالمياه على ساعة واحدة يومياً في الفترة الممتدة من 1991 إلى عام 1994.

لكنّ هذا الواقع تغيّر مع فوز رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان برئاسة بلديتها عام 1994، وذلك بفضل وضع الحكومة خطة عقلانية لمعالجة مشكلات المدينة. ويقول أحد الصحافيين الأتراك: ” قد تكون لدينا تكنولوجيا حديثة، ولكن ذلك لا يكفي، فإننا نحتاج إلى إدارة جيدة تملك خطة عقلانية وأخلاقية لا مكان فيها للفساد” .

الأردن

أمّا في الأردن، فإنّ ندرة المياه تنذر بتحوّل الوضع إلى كارثي مع إزدياد عدد اللاجئين السوريين. وتوضح ممثلة الأمير حسن بن طلال الأميرة سميّة بنت الحسن، أنّ الأردن هو رابع أفقر دولة مائياً في العالم، في الوقت الذي يتزايد فيه عدد السكان باستمرار، وسط تحديات إستضافة المملكة الهاشمية لعدد متزايد من النازحين من دول المنطقة.

وتلفت إلى أنّه خلال الأعوام العشرين المقبلة، “سيعيش ما يقارب 300 مليون عربي في ظلّ ظروف ندرة المياه، وبمعدل يقارب 500 متر مكعب من المياه للشخص الواحد في السنة، وهي نصف الكمية المحدّدة عالمياً كخطّ للفقر المائي”.

إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال وجود أزمة بين الأردن وسوريا بشأن تقاسم مياه اليرموك، فضلاً عن عدم التزام إسرائيل بالحقوق التي أقرّتها إتفاقية السلام ” وادي عربة” للأردن عام 1994.

وتقول الأمين العام السابق في وزارة المياه والري الدكتورة ميسون الزعبي: “نحن سنقاتل لما وعدنا بتحقيقه وفق ما ورد في إتفاقية السلام ، لجهة حقوقنا قي مياه نهر الأردن والمياه الجوفية في وادي عربة”.

تجدر الإشارة إلى أنّ نهر الأردن الذي تتقاسمه المملكة الهاشمية مع سوريا وفلسطين وإسرائيل، تبلغ حصة الأردن فيه 23 في المئة، فيما تأخذ إسرائيل 64 في المئة من مياهه، وسوريا 25 وفلسطين 5 في المئة فقط.

العقبة الإسرائيلية

أمّا لسان حال الوفد الفسلطيني، “كيف ندفع إسرائيل للقبول بتقاسم المياه بصورة عادلة ومتساوية، والتخفيف من معاناة شعبنا ؟” “تسلط إسرائيلي” يعرقل أيّ مساعٍ في الشرق الأوسط للوصول الى تعاون إقليمي في مجال المياه. ويقول رئيس لجنة الطاقة والمياه في البرلمان اللبناني النائب محمد قباني: “إسرائيل تغتصب مياه فلسطين لتحقيق رفاهيتها المفرطة، فيما يعاني الشعب الفلسطيني من العطش”، ويذكّر باغتصاب الدولة العبرية 83 في المئة من المياه الجوفية في الضفة الغربية .

غيرّ أنّ العضو في مجلس اللوردات البريطاني رت هون ألدرديس، يعتبر أنّه يمكن الإنطلاق من المياه لتحقيق السلام. ويقول: “لا نستطيع منع السمكة من عبور الحدود، يمكننا البدء من تجربة إيرلندا الشمالية التي ساعدت في تحقيق السلام عبر لجنة مصايد الأسماك في إيرلندا الشمالية، لتحقيق السلام في الشرق الأوسط”.

إنعدام ثقة وسوء فهم حول تقاسم المياه، يضلل أيضاً العلاقة بين سوريا والعراق وتركيا، في ظلّ انتشار ظاهرة “حرب السدود” على نهري دجلة والفرات.

سدود قد تتحول الى حلّ في المستقبل، وفق ما يؤكّد مسؤول “مجموعة زمان” الإعلامية اكريم دومانلي، الذي يرى أنّ “هذه السدود بفعل التغيير المناخي ستكون الوسيلة الأضمن للحفاظ على المياه”. ففي العشرين سنة المقبلة ستصبح موارد تركيا المائية محدودة، ولن تبقى دولة غنية بالمياه.

ويقول أحد المسؤولين الأتراك الذي يفضلّ عدم الإفصاح عن إسمه: “المياه هبة من الله لكن لها ثمن، نحن لا نهدد جيراننا بل لدينا مخاوف من التغيير المناخي، واذا تناقص سقوط الثلوج على الجبال كيف سنواجه ذلك؟”

ويقترح وضع تسعيرة عادلة للمياه للحفاظ على استدامتها، ويقول: “علينا عدم تضييع أي قطرة ماء”. تسعيرة يحذّرالعضو في الهيئة المنظّمة للمؤتمر وزير المالية السابق محمد شطح من ارتداداتها السلبية.

ويقول شطح: “بيع المياه هو أسوء شي يمكن فعله للفقراء، وعلينا التمييز بين المياه للإستعمال الشخصي، والتي تعتبر حقاً إنسانياً، وبين استخدام المياه للزراعة والصناعة، فهي ليست سلعة إقتصادية عادية”.

ويدعو وسائل الإعلام إلى تعزيز مفهوم قيام إدارة مشتركة للمياه في الشرق الأوسط، عوض أن تركّز تغطيتها على اتهام بلد دون الآخر بالسيطرة على حصص أكبر من المياه، وتغذية النزاعات بين الدول.

غير أنّه يستبعد في الوقت عينه التوصل الى تعاون إقليمي في شأن المياه، في ظلّ غرق دول أساسية في المنطقة في أتون الحرب، “فعندما يتبدّل المشهد وينتج عنه حكومات أكثر ديموقراطية يمكن مساءلتها، حينها يمكن رسم هذه اللوحة”، من دون أن يغفل مسألة مهمة وهي استهلاك الطرف الإسرائيلي 83 في المئة من مياه الضفة الغربية، ويقول: “علينا إغلاق هذه الفجوة لنستطيع التقدم”.

تجارب

التجارب الأفريقية والآسيوية والأوروبية في الإدارة المشتركة للمصادر المائية العابرة للحدود”، لا سيما تجربتي الراين والدانوب، أثارت إعجاب المشاركين، ووجدوا فيها نموذجاً يحتذى به.

ويسهب فيليب ويلر في الحديث عن الإدارة المشتركة للمصادر المائية العابرة للحدود بين الدول الموقّعة على الإتفاقية المتعلقة بحوض نهر الدانوب، وعن تبادل اللجنة الدولية لحماية نهر الدانوب(ICPDR ) المعرفة بينها ووجود نظام إنذار مبكر لديها للحوادث، في حال تعرّض مياه أي من البلدان الموقعة على الإتفاقية للتلوث.

ويقول ويلر:”ليس فقط الحكومات، بل المجتمع المدني والقطاع الخاص أصبحا جزءاً من المعادلة لمساعدتنا في نشر المعرفة بشأن التوفير في استعمال المياه”.

تجارب أوروبية يدعو وزير الخارجية التركية السابق ياشار ياكش إلى البناء عليها، وينوّه بإدراك الإتحاد الأوروبي أهمية التعاون بين دوله، حيث انطلق من إتفاق الفحم والحديد، ويأمل تطبيقها لتحقيق التعاون في المجال المائي في منطقة الشرق الأوسط.

ويقول ياكش: “المعيار ليس فقط تقاسم بل طريقة إدارتها، علينا إستلهام التجربة الأوروبية، حتى لو لم يكن بين بلدان الشرق الأوسط موارد مائية مشتركة، وأن يسهم الإعلام في توضيح المسائل، بدل ترديد إتهامات لتركيا بسرقة مياه العراق وسوريا”.

وبما أنّ العالم يتغير والسياسيون باتوا يصغون بشكل أكبر لشعوبهم، فعوض انتظار اللحظة السياسية المناسبة، يقترح المؤتمر “خلق شبكة من الخبراء وتقديم التوصيات لتكون بمثابة حجر أساس، بانتظار تبلور اتفاق سياسي حول مسألة المياه التي تشكّل عنصراً حيوياً في حياتنا”.

وإلى جانب الإتفاقات الثنائية بين البلدان المعنية، والتي تتعلق على سبيل المثال بالنهر الكبير بين لبنان وسوريا، ونهر اليرموك بين الأردن وسوريا، والعاصي بين لبنان وسوريا وتركيا، يطالب المؤتمرون بضرورة تشكيل لجنة إقليمية مشتركة لأحواض الأنهار بين ممثلين عن الحكومات، تكون مظلة لإدارة مواردهم المائية، لمواجهة خطر التغيّر المناخي والجفاف.

هذا على مستوى التمنيات، أمّا على صعيد الواقع، تبدو اللحظة السياسية غير مواتية اليوم لتحقيق هذا الهدف. وبانتظار ذلك، اتُفق على إطلاق “الشبكة الإعلامية للسلام الأزرق في الشرق الأوسط”، التي من شأنها نشر المعرفة حول المياه وتجنيب النزاعات، وحمل رسالة التعاون المائي الى صنّاع القرار.

رسالة، مهمّة الإعلام نشرها وزيادة الوعي. إعلام يتوقف عليه تحفيز المجتمع، إذ تعتبر الحملة التي قامت بها وسائل الإعلام التركية لتشجيع إعادة تدوير سدادات زجاجات المياه البلاستيكية واستخدامها لكراسي المعوقين دليلاً على إمكان إحداث الإعلام تغييراً في ذهن الرأي العام.

ويبقى الأمل بغد أفضل. غد، علّ دول الشرق الأوسط تتعلم فيه من تجربة الإتحاد الأوروبي لتقاسم المعرفة وتحويل ندرة المياه الى فرصة للتعاون، بإنشاء مشاريع مشتركة عبر الحدود.

وفي المحصلة، اتفق المؤتمرون على أنّه “لا خيارأمامنا سوى السلام الأزرق”، سلام قوامه حسن إدارة مياهنا في الداخل، وثقة متبادلة مع دول الجوار، عمادها تعاون إقليمي بين دول الشرق الأوسط.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > كلنا سوريا