عمر كوش : المثقفون السوريون وتشكيلات المعارضة

عمر كوش: جريدة عمان

وضعت الثورة السورية حملة الأفكار الطنانة من يساريين وقوميين وإسلاميين، على المحك في خيارهم الديمقراطي، وفي مدى اقترابهم والتزامهم بمصالح الناس وحقوقهم، وأعادت فرزهم بطريقة لا لبس فيها. وتبيّن أن بقايا الأحزاب اليسارية والقومية والدينية، عاجزة عن مواكبة الثورة ودعم ناسها، والانخراط في حراكها، يعود الأمر في ذلك إلى تركيبتها والعقليات المتحكمة فيها، حيث لم تتمكن طوال عقود عديدة من إحداث قطيعة معرفية وسياسية مع ماضيها القائم على الإقصاء والأحادية، وعلى التعبئة الايديولوجية ذات الاتجاه الوحيد، ولا يزال قادتها وممثليها أسرى لنفس العقلية القديمة ونفس النهج القديم.
ومع تعدد التشكيلات السياسية لقوى المعارضة السورية، التي نشأت بعد ثورة الخامس عشر من مارس2011، فإن الناظر في تركيبة مختلف تشكيلات المعارضة، بما فيها الائتلاف والمجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطني والمنبر الديمقراطي والتحالف الديمقراطي السوري والمجلس الوطني الكردي وسواها، يجد أنها لم تنبثق من قلب الحراك الاحتجاجي الثوري، لذلك لم تتمكن من تمثيله فعلياً، وحاول بعضها ترديد مطالب الثوار، ولم تبتعد مسافة كافية عنها ليحق له الادعاء بتمثيلها عضوياً، ولا انفصلت عنها مسافة مطلوبة لقيادتها ومساعدتها، والمفارق في الأمر هو أن القوى التي رفضت التدخل الخارجي، خاصة العسكري، وجعلته يافطة لها، لم تنأى بنفسها عن التدخلات الدولية والإقليمية في شؤونها، وفشلت جميعها في تأمين الدعم اللازم والضروري للثورة، وحتى الدعم المالي القليل الذي حصلت عليه، وزعته وفق حساباتها الضيقة، القائمة على ضمان تأييدها، وتذهب أغلب تفسيرات أسباب فشل تشكيلات المعارضة السياسية إلى حالة العطالة السياسية، الموروثة من عقود انتفاء السياسة ومصادرتها في سوريا، والتي طبعت العمل السياسي المعارض بطابع من الهامشية، وشوهت الفعل السياسي، بوصفه ممارسة تهدف إلى تغيير الواقع، وليس موقفاً أخلاقياً أو مبدئياً فقط، الأمر الذي يفسر تعلق بعض المعارضين وتركيزهم على المواقف المبدئية فقط، مع غياب مقتضيات الفعل السياسي، يضاف إلى ذلك غياب برنامج تغيير واضح لدى القوى والأحزاب التقليدية، وتركيزها على الإرث الشخصي لبعض رموزها التاريخيين، الذين تحولوا إلى ما يشبه المستحثات السياسية، واطمأنوا إلى تاريخهم الذاتي، بل وحولوا السياسة إلى استثمار شخصاني. والأهم هو لجوء بعض الشخصيات المعارضة إلى سياسة تسجيل المواقف والنقاط، وسوق الاتهامات، وهدر الجهود، وتسميم الأجواء، وعدم القدرة على العمل الجمعي المؤسساتي، والتركيز على شخصنة الخلافات، بما يزيد من التنابذ والفرقة، وعليه فإن تجربة تشكيلات المعارضة السورية أظهرت أن المشكلة ليست خلافات سياسية بين تيارات وقوى، بل تفشي أمراض متعددة الأبعاد، عملت على تثبيط فاعلية أطرها وهيئاتها ومجالسها، وبدلاً من أن تشكل داعماً حقيقياً للثورة صارت عالة عليها، حيث لم تقدم الدعم الكافي، فضلاً عن عدم تمكنها من قيادة الثورة الشعبية الواضحة الأهداف، واكتفت قيادات المعارضة بترديد مطالب الناس، وما تصدح به حناجر المتظاهرين من شعارات المتظاهرين، الأمر الذي بيّن انقطاعها العملي عن وقائع الثورة ومسارها.
يضاف إلى ما تقدم دور القوى الخارجية المخاتل والمتردد، التي تدعي الانحياز إلى ثورة الشعب السوري، مقابل الإسناد والدعم المتعدد الوجه الذي يلقاه النظام السوري من أطراف إقليمية ودولية. وهناك أدوار لبعض الدول، أسهمت في انحراف وجهة الثورة وتحويلها إلى صراع مسلح، ودول أخرى فرضت أجنداتها وتوجهاتها على المجاميع المسلحة، وحاولت جاهدة إجهاض الثورة ووأدها.
بالمقابل توجه إلى المثقفين المستقلين الداعمين للثورة انتقادات، تطال أسباب عزوفهم عن الانخراط في التشكيلات السياسية الناشئة. وتمتد لتصل إلى أسباب عدم تشكيلهم جسماً سياسياً مختلفاً، قادراً على جمع القوى المدنية والديمقراطية، ويضرب مثلاً في خدمة أهداف الثورة، ولا يتغاضى عن نقد أخطائها، بل يسعى إلى تخليصها قدر المستطاع من منزلقات التعثر، وإلى تقويم مساراتها وإبعادها عن مندرجات التطرف والتعصب، التي باتت مؤثرة في بعض المواضع، خاصة وأن المجتمع السوري بحاجة إلى عودة السياسة المسلوبة منه، في هذه المرحلة الصعبة والحساسة من تاريخ سوريا، التي تشهد ازدياد خطر ارتداد المزيد من الناس إلى مختلف الولاءات ما قبل المدنية، من اثنية وعشائرية وطائفية ومذهبية، وتزايد خطر التطرف والتعصب.
والواقع هو أن أغلب النشطاء السوريين والمثقفين النقديين حافظوا على مسافات معينة من التكوينات السياسية التي نشأت على هامش الثورة السورية، واكتفوا بمراقبة أدائها بشكل نقدي، وقدموا اقتراحات عديدة للارتقاء بعملها. وما كان يقلقهم هو مبدأ التوافق الذي قامت عليها هذه التشكيلات، بوصفه توافقاً بين كتل سياسية مختلفة في قوتها ونشأتها وتوجهاتها، انقلب في معظم الأحيان إلى محاصصات ومساومات بغيضة بين أطراف وشخصيات، تدعي تمثيل الثورة، إلى جانب ارتفاع منسوب الشخصنة وتضخم الذات، لدى العديد من ممثلي تشكيلات المعارضة، وخاصة لدى بعض من تحولوا إلى نجوم شاشات تلفزيونية، الأمر الذي يتناقض بشكل صارخ مع تضحيات شباب الثورة، الذين برهنوا على إصرارهم في المضي حتى تتحقق أهداف المعارضة، وعلى امتلاكهم قدرة كبيرة في التضحية وخدمة الثورة، ولا شك في أن تعقيدات الوضع السوري تفترض تشكيل جسم سياسي، سواء أكان تياراً أم حزباً، أم تجمعاً ديمقراطياً، قادرا على جمع السوريين، بمختلف انتماءاتهم الدينية والاثنية، حول مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان، ويسعى إلى تحقيق الأهداف المتفق عليها والمتمثلة في الحرية والكرامة والعدالة، وبناء سوريا الجديدة، بوصفها دولة مدنية دستورية، تعددية وحديثة، وفق نهج لا يستبعد فرداً أوجماعة، ولا يقصي أو يهمش أحداً، بل يشكل قطباً جذباً لمختلف المكونات والشرائح الاجتماعية، وعابراً لمختلف الانتماءات والولاءات ما قبل المدنية، دون القفز فوقها.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > كلنا سوريا