شهادة هامة امام الكونغرس عن سورية :التهديد المتزايد للإرهاب والطائفية في الشرق الأوسط

فيما يلي شهادة الدكتور ماثيو ليفيت* التي قدمت إلى “لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي”

أضحت الحرب في سوريا كارثة إنسانية. فهي تهدد بتقسيم المنطقة على أُسس طائفية. كما أنها ضخت دماء جديدة في عروق جماعات وحركات تستمد أفكارها وزخمها من الأيديولوجيات الإسلامية التي تتخذ العنف منهجاً لها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر جماعاتٍ مرتبطة رسمياً بتنظيم القاعدة. وفي الواقع، نحن نواجه مداً حاداً من التطرف العنيف من المعسكرين السني والشيعي.

ركزت الكثير من النقاشات المتعلقة بالحرب في سوريا، على مدار الأسابيع القليلة الماضية، على المحادثات الدبلوماسية في سويسرا (والتي يبدو أنها لن ينتج عنها أي انفراجة قريباً) أو التهديدات المحتملة للغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص التي يشكلها الجهاد السوري. فهي في واقع الأمر من القضايا الحساسة، لكنني مسرورٌ للغاية أن هذه اللجنة تعقد جلسة استماع اليوم حول التأثيرات الإقليمية للحرب في سوريا.

أشار مدير الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر مؤخراً إلى أنه يمكننا توقع زيادة عدم اليقين السياسي والعنف في المنطقة في عام 2014. وهناك العديد من الدلالات على هذه الاحتمالات، ولكن لا ترتبط كلها بالحرب في سوريا بشكل مباشر. وبالنسبة لما سنناقشه اليوم، فأود أن أتناول ثلاثة أنواع من تداعيات الحرب في سوريا التي من المؤكد أنها ستسبب اتساعاً كبيراً لدائرة الصراع بشكلٍ أو بآخر: أولاً، تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا من كافة أنحاء الشرق الأوسط وتأثيره الأكيد على الاستقرار الإقليمي؛ ثانياً، الطبيعة الطائفية المميتة للصراع الدائر وتأثيرها على مستقبل لبنان بوجهٍ خاص؛ ثالثاً، الزيادة الحادة الخطيرة – نتيجةً للحرب – للاتجاهات الكلية متمثلة في أعداد اللاجئين والنزوح السكاني للفقر والجوع ونقص الرعاية الصحية الكافية والتي تخلق الظروف المؤدية إلى العنف وعدم الاستقرار.

“عندما يعود الشباب إلى أوطانهم”

بعد خمسة عشر عاماً من الآن، عندما تُرفع السرية عن الوثائق التي تكتب اليوم، فإننا سنفكر في الماضي ببعض الانزعاج نحو البُعد الزمني لبعض أحكامنا عندما كتبت في 2014. وهذه طبيعة التقديرات الاستخباراتية. وأنا قلق، رغم ذلك، من أننا قد ننظر خمسة عشر عاماً إلى الوراء ونجد أنفسنا نتعامل مع قائمة طويلة من المشاكل الصعبة التي نجد أن جزءاً كبيراً منها ناجم عن الإجراءات التي اتخذت أو لم تتخذ اليوم.

تم التأكيد على هذه الأفكار من خلال إعادة قراءة التقرير المكتوب في أغسطس 1993 الذي رفعت عنه السرية بعنوان “المجاهدون المتجولون: مسلحون وخطيرون” الذي أعده مكتب الاستخبارات والبحوث بوزارة الخارجية (INR). وكان موضوعه تأثير اتساع الدائرة المحتملة للمجاهدين الأفغان ودعم الشبكات للاستمرار في القتال في صراعات الجهاد الأخرى، إلى جانب الجماعات الإسلامية المسلحة الأخرى في جميع أنحاء العالم. ويمكن تطبيق الكثير من هذا التقرير بالتساوي على المواضيع التي نواجهها اليوم كما واجهتنا عندما كتبت منذ أحد وعشرون عاماً.

تأمل كيف يسافر المقاتلون من جميع أنحاء العالم للقتال إلى جانب أي من أطراف الصراع في الحرب الطائفية المستعرة في سوريا. تركز معظم النقاش حول المقاتلين الأجانب الذين يسافرون إلى سوريا على الشباب المسلم الراديكالي الذي يفد من الدول الغربية – أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا – وهو الأمر الذي يشكل تهديداً يؤرق أمن بلادهم نظراً لأن هؤلاء الشباب من حاملي جوازات السفر الغربية من المحتمل أن يعودوا لبلادهم بتشددٍ أكثر حدة عما كانوا عليه عندما غادروا. ويقاتل هؤلاء الأفراد أيضاً في كثيرٍ من الأحيان بجانب جماعات مثل جبهة النصرة أو «الدولة الإسلامية في العراق والشام» [تنظيم «داعش»]، والتي يشهد كلابر مدير الاستخبارات الوطنية في الوقت الحالي أن بعضاً منها يتوق لمهاجمة الولايات المتحدة. لكن أكبر عددٍ من المقاتلين الأجانب، على كلا الجانبين السني والشيعي، يأتي من منطقة الشرق الأوسط، ولا بد من الإشارة في الواقع إلى أنه في حين يركز معظم الناس على ظاهرة المقاتلين الأجانب السنة، إلا أنه يوجد أيضاً الكثير من المقاتلين الأجانب الشيعة في سوريا اليوم. ويأتي غالبيتهم من العراق، لكن الأعداد الأخرى تأتي من مناطق بعيدة عن المنطقة الصراع مثل اليمن وأفغانستان وحتى أستراليا.

أفاد مدير الاستخبارات الوطنية كلابر في وقتٍ سابق من هذا الشهر أن قرابة 7000 مقاتل وفق تقديره سافروا إلى سوريا من أكثر من خمسين دولة. وفي دراسة مستقلة جرت في ديسمبر/كانون الأول، قدر زميلي أرون زيلين الأعداد لتصل إلى قرابة 8500 مقاتل أجنبي قادمين من أربع وسبعين دولة مختلفة. وتشير تقديراته لنطاق المقاتلين الأجانب القادمين من كافة أنحاء المنطقة والذين أتوا للقتال إلى الجانب السني من الحرب في سوريا على حدٍ سواء إلى التالي:

الدولة

الأدنى

الأعلى

الكويت

54

71

لبنان

65

890

تونس

379

970

الأردن

175

2,089

ليبيا

330

556

العراق

59

97

الجزائر

68

123

مصر

118

358

فلسطين

73

114

المملكة العربية السعودية

380

1,010

السودان

2

96

اليمن

13

110

المغرب

76

91

الإمارات العربية المتحدة

13

13

موريتانيا

2

2

قطر

14

14

البحرين

12

12

عُمان

1

1

على الجانب الشيعي من المعادلة، شكل مقاتلو «حزب الله» اللبناني ومقاتلو الشيعة العراقيين من جماعات مثل عصائب أهل الحق وكتائب «حزب الله» غالبية الشيعة الذين يقاتلون لدعم نظام بشار الأسد. وتشير بعض التقديرات إلى أن ما يصل إلى خمسة آلاف مقاتل من «حزب الله» اللبناني يقاتلون في سوريا على أساس تناوبي. وتقدر أعداد المقاتلين العراقيين الشيعة في سوريا أيضاً بأكثر من خمسة آلاف مقاتل. ويبرز الإيرانيون بأدوارٍ صغيرة للدعم وتقديم المشورة. ففي أبريل/نيسان 2011، أشار الأمر التنفيذي رقم 13572 من الرئيس أوباما الخاص بانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا بأصابع الاتهام إلى قوات فيلق القدس التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني. كما لوحظت أنشطة لوزارة الاستخبارات والأمن الوطني وقوات إنفاذ القانون الإيرانية في سوريا، وصنفتها وزارة الخزانة الأمريكية كمنظمات داعمة للإرهاب بسبب انتهاكها لحقوق الإنسان هناك. كما سافر الشيعة من المملكة العربية السعودية وساحل العاج وأفغانستان أيضاً إلى سوريا للقتال دفاعاً عن النظام، وأفادت التقارير سفر المقاتلين الحوثيين اليمنيين إلى سوريا من خلال معسكرات «حزب الله» في لبنان للقتال إلى جانب النظام و «حزب الله».

يتعلم هؤلاء المقاتلون الأجانب في سوريا أساليب جديدة وأكثر خطورة في التعامل العملي، ومن لا يموتون في أرض المعركة فسيقومون في النهاية بالانتشار في جميع أنحاء العالم مع حصولهم على تدريبٍ أفضل وتشددٍ أكثر عن ذي قبل. وشدد مدير الاستخبارات الوطنية كلابر على أنه ليس فقط المقاتلين الأجانب الذي ينتقلون إلى سوريا، بل أيضاً “التقنيات والأساليب التي تشكل مشاكل خاصة لدفاعاتنا”.

صرح مدير وكالة المخابرات المركزية جون برينان “نحن قلقون من استخدام تنظيم القاعدة للأراضي السورية لتجنيد الأفراد … لاستخدام سوريا كنقطة انطلاق” لشن هجمات على الغرب. لكن التهديد لا يقتصر على جماعات القاعدة أو عملائها الفعليين، ولا يقتصر أيضاً على الهجمات التي تستهدف الغرب. فمن المحتمل أن يعود غالبية المقاتلين الراديكاليين إلى أوطانهم ويهاجمونها حتى قبل أن يسعوا إلى مهاجمتنا، ويعود جزء كبير من ذلك إلى الأحداث التي أعقبت الربيع العربي والتي خلقت ظروفاً مواتية لإحياء الحركات الإسلامية المسلحة، على الصعيد الاجتماعي أو العسكري – في جميع أنحاء المنطقة.

بعض الأصداء الإقليمية للجهاد السوري التي يجري رصدها اليوم:

• أدانت محكمة إسرائيلية هذا الأسبوع مواطناً عربياً إسرائيلياً لانضمامه لجبهة النصرة. وأعرب القاضي الذي يرأس المحكمة عن قلقه إزاء الخطر الذي يشكله المواطنون الإسرائيليون الذين ينضمون للحرب في سوريا ويعودون للوطن، حيث “يمكنهم استخدام التدريب العسكري والتلقين الأيدلوجي المكتسب من سوريا لاقتراف هجماتٍ إرهابية أو تلقين الآخرين أو جمع معلومات استخباراتية لاستخدامها في هجماتٍ من قبل جهاتٍ معادية لإسرائيل”.

• بالنسبة للكثيرين في المنطقة وخارجها، يعد قرار الذهاب للقتال في سوريا أمراً طبيعياً ليس فيه شيء. فهؤلاء الأشخاص يعتقدون أن القتال في سوريا هو جهاد دفعٍ لحماية إخوانهم المسلمين السنة – نساءً وأطفالاً – من هجمات نظام الأسد العشوائية على المناطق التي يقطنها مدنيون. وها هو أحمد عبد الله الشايع، وجه البرنامج السعودي للقضاء على الراديكالية – والذي شهد انتكاسة بمعدل 1.5 في المائة من بين 2400 شاب تائب – يعود الآن إلى ساحة المعركة في سوريا.

• أوضح أحد شباب السلفيين التونسيين في تونس ويدعى أبو صلاح قائلاً “قدمت لنا الثورة في تونس وتلك الثورات في سوريا ومصر واليمن وليبيا فرصةً عظيمة لإقامة دولة يحكمها القانون والشريعة الإسلامية تقام في المغرب العربي أولاً”. “ولا نرغب في ما هو أقل من إقامة دولة إسلامية في تونس وفي جميع أرجاء المنطقة. وأول خطوة يجب أن تكون سوريا. وأنا فخورٌ بإخوتي في سوريا، وسوف أنتقل إليهم بنفسي في غضون بضعة أسابيع”.

• قام والدا شاب تونسي آخر، أيمن السعدي، الذي تربى في كنف أسرة علمانية من الطبقة المتوسطة، بمنعه من السفر للقتال في سوريا عدة مرات قبل أن يتسلل في النهاية خارج البلاد إلى بنغازي. وحصل على تدريبٍ هناك لمدة قصيرة، ولكن بدلاً من الذهاب إلى سوريا، تم توجيهه بالعودة إلى تونس لتنفيذ هجومٍ انتحاري على الضريح الرئاسي، لكن الأمن الرئاسي ألقى القبض عليه قبل محاولة تفجير نفسه. وقبل هذه المحاولة، قرر انتحاري آخر تفجير نفسه فقط بالقرب من منتجع شاطئي للسياح الأجانب.

• تواجه الحكومة في مصر مستوياتٍ عالية من العنف ويعزى جزء كبير منها للإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي. وقد وقعت أيضاً حوادث كثيرة من جانب المسلحين العائدين من سوريا وشنوا أعمال عنف ضد الحكومة. كما تجذب جماعة أنصار بيت المقدس المسلحة بسيناء الكثير من العائدين وأعلنت مسؤوليتها عن عددٍ من الهجمات في الأشهر الأخيرة. وفي سبتمبر/أيلول، قام وليد بدر، ضابط سابق بالجيش المصري، بعد العودة من سوريا بشن هجوم انتحاري أخطأ بالكاد وزير الداخلية المصري محمد ابراهيم، وأسفر بدلاً من ذلك عن إصابة تسعة عشر آخرين. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، نشرت جماعة أنصار بيت المقدس فيديو دعائي به مقاطع من خطاب الراحل أبو عمر البغدادي، الزعيم السابق لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق التابع لتنظيم القاعدة، والذي تحول تدريجياً إلى جماعة «الدولة الإسلامية في العراق والشام»”.

• في أغسطس/آب، تم إنشاء تنظيمٍ جديد من المجاهدين المغربيين بالكامل في سوريا يدعى حركة شام الإسلام. وتهدف تلك الجماعة وفقاً لما ورد بالتقارير ليس فقط إلى تجنيد المقاتلين للحرب في سوريا، بل أيضاً إلى إنشاء تنظيم جهادي داخل المغرب نفسها: “على الرغم من أن اسم [الجماعة] يشير إلى سوريا ومسرح عملياتها في سوريا، إلا أن غالبية أعضاء الجماعة من المغاربة. وتم إعلان إنشاء الجماعة أيضاً في ريف اللاذقية، حيث يتمركز معظم المجاهدين المغاربة الذين يذهبون إلى سوريا هناك”.

• في الشهر الماضي، توقفت صحيفة عراقية عن النشر بعد أن تلقت تهديدات بالقتل من مليشيا شيعية تدعمها إيران تُدعى عصائب أهل الحق. وقد وضعت قنبلتين في مقرها في بغداد، وطالب معارضون يحملون صور زعيم ميليشا عصائب أهل الحق

بإغلاق الصحيفة. واعترف أعضاء الجماعة بكل صراحة “بزيادة الاغتيالات المستهدفة”. وكانت الميليشيا لها أنشطة فاعلة في العراق منذ الحرب التي قادتها أمريكا، ونفذت فيها آلاف الهجمات على الجنود الأمريكان، وهي تركز أنشطتها الآن في سوريا.

• أحبطت قوات حرس الحدود الأردنية محاولة تهريب كمية كبيرة من الذخيرة والمواد الأخرى القادمة ليس من الأردن إلى سوريا بل من سوريا إلى الأردن.

لا شيء من هذا مفاجئ. فمنذ أحد وعشرون عاماً، أعد مكتب الاستخبارات والبحوث بوزارة الخارجية تقريراً ورد فيه أن “شبكة الدعم التي تؤمِّن وصول المال والإمدادات والمقاتلين لدعم المجاهدين الأفغان تقوم الآن بتوفير مقاتلين ذوي خبرة للجماعات الإسلامية المسلحة في جميع أنحاء العالم”. وعندما انتشر هؤلاء المقاتلون المتمرسون، توقع مُعد التقرير بشكلٍ متبصر أن “معرفتهم بأجهزة الاتصالات وخبراتهم بالتخطيط اللوجستي ستعزز القدرات التنظيمية والهجومية للجماعات المسلحة التي انضموا إليها”. وأشار قسمٌ من تقرير 1993 يحمل عنوان “عندما يعود الشباب إلى أوطانهم” أن هؤلاء المقاتلين المتطوعين المتمرسين “يُرحب بهم على أنهم مقاتلون مسلمون منتصرون جاهدوا بأنفسهم ضد قوةٍ عظمى وانتصروا” و”نالوا احترام الكثير من المسلمين – من العرب وغيرهم – ممن يحترمون الجهاد”.

في هذا الوقت، قام المجاهدون الذين عادوا إلى اليمن ومصر والسودان الجزائر وليبيا وغيرها بتدريب مليشياتٍ مسلحة محلية فضلاً عن جماعاتٍ محلية راديكالية. وكانت ليبيا، كما أشار تقرير 1993، واحدةً من أكبر الداعمين لأمير الحرب الأفغاني قلب الدين حكمتيار (تم تصنيفه كإرهابي منذ ذلك الحين) لكنها “تخشى الآن عودة المجاهدين المتمرسين وهاجمتهم علانية وبشدة”. في الواقع، شكل العديد من هؤلاء المجاهدين الليبيين الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة وأصبحوا أعضاء بارزين في تنظيم القاعدة الأساسي. وفي 2006، أشارت حكومة الولايات المتحدة إلى أن “الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة تهدد السلم والاستقرار الدوليين جراء استخدام العنف وتحالفها الأيدلوجي مع القاعدة والتنظيمات الإرهابية الوحشية الأخرى”. وتنفذ جماعة أنصار الشريعة الليبية عملياتٍ في سوريا اليوم. وفي اللاذقية، أنشأت الجماعة مخبزاً وتنظم مساعداتها للمجتمعات السنية.

الجماعات المنتمية للقاعدة ليست هي الوحيدة التي تنشط في سوريا. حيث كشفت وزارة الخزانة الأمريكية مؤخراً عن استمرار نشاط عناصر من تنظيم القاعدة واشتراكهم في الجهاد في سوريا. ففي 6 فبراير/شباط، أفادت وزارة الخزانة الأمريكية بأن ميسر اتحاد الجهاد الإسلامي في إيران جعفر الأوزبكي يقدم الدعم اللوجستي والتمويل لشبكة القاعدة في إيران. وعمل صادقوف المرتبط بياسين السوري، أحد قادة القاعدة السابقين المصنفين في إيران، كمهرب يقيم في مشهد يعمل على مساعدة المتشددين والعملاء السريين في الانتقال إلى إيران من داخل وخارج باكستان وأفغانستان. وتساعد شبكة تنظيم القاعدة في إيران العملاء السريين والقادة الإرهابيين أيضاً في السفر من باكستان إلى سوريا عبر تركيا، وتسهل نقل الأموال من المتبرعين في الخليج – وتشتمل على “شبكة كثيفة من المتبرعين الجهاديين الكويتيين” – إلى تنظيم القاعدة الأساسي والعناصر الأخرى التابعة له، ومن بينها جبهة النصرة في سوريا. وتعمل هذه الشبكة في إيران، كما أشارت وزارة الخزانة الأمريكية، “بعلم السلطات الإيرانية”، مما يدل على أن إيران لا تدعم «حزب الله» ونظام الأسد فقط، لكنها أيضاً تُزكي نار العنف الطائفي المستعرة بالسماح عن علمٍ لتنظيم القاعدة بدعم عناصره في سوريا من الأراضي الإيرانية.

توجد دلالات أيضاً على أن عناصر تنظيم القاعدة الأساسي قلقةُ من أن الجهاد السوري قد يقلص دورهم ويقوض روابطهم. كما أن الأحداث في سوريا تغير من طبيعة روح المجازفة لدي المجاهدين بسرعة شديدة. فنقطتها المركزية لم تعد أفغانستان أو باكستان أو العراق أو اليمن، بل أصبحت في قلب دول شرق المتوسط – الشام – في سوريا. فهناك تحارب «الدولة الإسلامية في العراق والشام» وجبهة النصرة نظام الأسد وحلفاءه من الشيعة فضلاً عن المتمردين السوريين المحتملين. ولم تندمج الجماعتان، غير أن (النصرة) فقط هي التي أقسمت على الولاء والطاعة لأيمن الظواهري. وفي الواقع، عندما قام الظواهري بتوجيه تنظيم «داعش» للتركيز على العراق وترك المسرح السوري لـ “النصرة”، رفض قائدها أبو بكر البغدادي ذلك المطلب بشكلٍ قاطع. وفي هذا الشهر رد الظواهري بالمثل، حيث ألقى باللائمة على «الدولة الإسلامية في العراق والشام» “لهول الكارثة التي لحقت بالجهاد في سوريا” وتبرأ من ارتباطها بالقاعدة. وشدد الظواهري على أن تنظيم «داعش»” لا ينتمي للقاعدة ولا تربطنا به أي علاقات تنظيمية”.

في الوقت نفسه، تبقى جماعات إسلامية أخرى، مثل أحرار الشام، مستقلة حتى وهي تشارك بعض الأسس الأيديولوجية مع القاعدة. ولم تعد مراكز الجهاديين التي تجند متطوعين جدد وتجمع التبرعات وتجذب مقاتلين أجانب اليوم حكراً على تنظيم القاعدة. مع العلم بأن الظواهري ربما شعر بالحاجة إلى أن يكون قادراً على المطالبة بشيء كبير ليلتف المجاهدون من كافة الأشكال والأحجام حوله. هل من شيءٍ أفضل من شن هجوم على إسرائيل؟ لذلك فإنه في 22 يناير/كانون الثاني، أعلن المسؤولون الإسرائيليون أنهم قاموا قبل عدة أسابيع بتعطيل ما وصفوه بمؤامرة إرهابية “متقدمة” من جانب تنظيم القاعدة في إسرائيل. وعلى الرغم من قيام مجاهدين باستهداف إسرائيل بإيعازٍ من القاعدة قبل ذلك (ثلاثة رجال خططوا لشن هجوم بالقرب من الخليل وتم قتلهم في تبادلٍ لإطلاق النار مع الشرطة في نوفمبر/تشرين الأول)، وكانت هذه أول مرة يتورط فيها كبار قادة القاعدة بشكلٍ مباشر في مثل هذه المخططات.

مدى قيادة القاعدة أو المنتمين إليها أو الجماعات الإسلامية العنيفة للجهاد في سوريا هو أمرٌ قيد النقاش، ولكن من الواضح أنه لم يعد هناك مركز قيادة واحد اليوم مثلما كان عليه الأمر منذ أحد وعشرين عاماً. ويصف تقرير 1993 اتجاهات عديدة لا تزال من القضايا المثيرة للاهتمام الشديد، ومنها بعض مصادر الدعم المالي ذاتها التي تستمر في تمويل الجماعات الإسلامية المسلحة اليوم (ورغم أنها ليست المسألة الوحيدة إلا أن-عمليات جمع الأموال للجهاد السوري من خلال وسائل التواصل الاجتماعي من القضايا الهامة الآن). وبالنسبة لقارئ اليوم الذي سوف يلخص تقرير 1993 بالنظر إلى الصراع في سوريا، فربما يتمثل الحكم التحليلي الأكثر إثارة للقلق – والذي ربما تم استنباطه من أحد التقييمات الحالية للاستخبارات الوطنية – فيما يلي:

لا تملك شبكة الدول الراعية والرعاة السريين الذين يواصلون دعم المجاهدين أثناء الحرب أي هيكل صلب ولا يملكون مراكز قيادة واضحة المعالم، لكنهم يتلقون الإرشاد من عدة قادة إسلاميين مشهورين علاوةً على الدعم المالي من المؤسسات الإسلامية الخيرية والأغنياء من الأفراد. وتزود الشخصيات الرئيسية التي ظهرت كموجه للمجاهدين بعضها البعض بالاتصالات والقنوات اللازمة للحفاظ على بقاء الجماعات المسلحة التي تدعمها في الأعمال التجارية.

لم تكن الشبكة قرابة عام 1993 موازية تماماً لتركيبة اليوم من عملاء القاعدة السريين (حيث كانت أصغر حجماً لكنها ليست أقل التزاماً بتكليفاتها) والشبكات التابعة والأتباع ذوي الفكر الواحد المرتبطين بها بشكل جوهري والمتطرفين المحليين الذين ينتهجون العنف. ولكن التحذير الذي تم إطلاقه عام 1993 من تكوين شبكة غير منظمة من الجهاديين الذين يتحركون من منطقة عملياتهم الحالية لجبهات قتالية أخرى من الممكن أن يكون تمت كتابته هذا الصباح.

حرب طائفية بالوكالة في بلاد الشام

الحرب السورية من الحالات الكلاسيكية للحرب بالوكالة، والحرب في هذه الحالة بين المملكة العربية السعودية ودول خليجية سنية أخرى من جانب وبين إيران من جهةٍ أخرى مع تركيبة إضافية في غاية الخطورة من الطائفية البغيضة. كما أن مصطلح “طائفي” المستخدم لنزع الآدمية عن “الآخر” في الحرب السورية هو مصطلح مقلق للغاية ويوحي لكلا الجانبين بأن الحرب طويلة الأمد في صراع وجودي ديني بين السنة والشيعة. وهذا يشير أيضاً إلى أن الحرب في سوريا تجرى على مستويين متوازيين، يركز المستوى الأول على نظام الأسد والمعارضة السورية، ويركز المستوى الأخر على التهديدات الوجودية التي تستشعرها المجتمعات السنية والشيعية من بعضها البعض. وبينما قد يكون المستوى السابق قابلاً للتفاوض، إلا أن المستوى الأخير غير قابل للتفاوض في أمرٍ شبه مؤكد. كما أن تداعيات عدم الاستقرار في المنطقة هائلة، ويطال تأثيرها ما هو أبعد من بلاد الشام. لكن تأثيرها المباشر والقوي تم استشعاره في لبنان باتجاه الغرب والعراق باتجاه الشرق أكثر من أي منطقة أخرى.

اسمحوا لي أن أركز بإيجاز على لبنان بالتحديد. فعلى مدار العامين الماضيين، أصبح دور «حزب الله» القتالي في سوريا أكثر رسمية وعلنية. وفي نفس الوقت، ازداد العنف الطائفي في لبنان بشكل كبير، ويتضمن ذلك اشتباكات مسلحة بين مقاتلين من السنة والعلويين في طرابلس وبين السنة والشيعة في صيدا، وبالطبع التفجيرات التي قام بها مسلحون سنة – من بينهم جبهة النصرة في لبنان – في الأحياء الشيعية المجاورة في بيروت والهرمل. وتم ضرب معقل «حزب الله» في الضاحية في بيروت في مناسبات عديدة، حتى أن السفارة الإيرانية في بيروت تم استهدافها في تفجير انتحاري مزدوج.

بوقوف «حزب الله» مع نظام الأسد ومساندة أنصاره من العلويين وإيران وحمل السلاح ضد الثوار السُنة، فهو بذلك قد وضع نفسه في بؤرة صراع طائفي ليس له علاقة من قريب أو بعيد بالمبرر المزعوم لوجود الحركة: وهو “مقاومة” الاحتلال الإسرائيلي. وشرح كاتب لبناني شيعي ساخر الأمر بطريقة مبسطة بقوله: “إما أن المقاتلين لم يجدوا فلسطين على الخريطة واعتقدوا بأنها في سوريا، وإما أنه قيل لهم إن الطريق إلى القدس يمر عبر القصير وحمص”، وهي مناطق في سوريا قاتل فيها «حزب الله» إلى جانب قوات الأسد ضد الثوار السُنة.

المعنى الضمنى واضح. فـ «حزب الله» اللبناني لم يعد “مقاومة إسلامية” خالصة لقتال إسرائيل، بل أصبح ميليشيا طائفية ووكيلاً إيرانيًا يقوم بالمزايدة لصالح بشار الأسد وآية الله خامنئي على حساب أشقائه المسلمين. لذا لم يكن مفاجئاً أن تأتي الضربات ضده من دوائر متطرفة أيضاً. ففي يونيو/حزيران، أصدرت كتائب عبد الله عزام، التابعة لتنظيم القاعدة في لبنان بيانا تتحدى فيه حسن نصر الله زعيم «حزب الله» ومقاتليه “بإطلاق رصاصة واحدة على فلسطين المحتلة، وأن يعلنوا مسؤوليتهم” عن ذلك. وأضاف البيان أنهم قد يطلقون النار على إسرائيل من لبنان أو سوريا، بعد أن رأوا «حزب الله» “يطلق آلاف القذائف والطلقات النارية على السُنة العزل وعلى نسائهم وشيوخهم وأطفالهم، وهدمهم لمنازلهم على رؤوسهم”.

بيد أنه في الوقت يتوقع فيه «حزب الله» استهزاء وتهكم الجماعات السنية الراديكالية المتطرفة، فإنه يواجه الآن تحديات لم يكن يتوقع مواجهتها قبل بضع سنوات. حيث طالب الرئيس اللبناني ميشيل سليمان قبل يوم واحد من خطاب نصر الله في أغسطس/آب – للمرة الأولى من نوعها- الدولة اللبنانية إلى الحد من قدرة «حزب الله» على العمل كميليشيا مستقلة خارج سيطرة الحكومة. فإقدام «حزب الله» على الزج بمقاتلين في سوريا، أوجد لدى العديد من اللبنانيين شعورًا بأن الحزب إنما يضع مصلحته كجماعة فوق مصلحة لبنان كدولة، وهو الشيء الذي يتناقض مع الصورة التي طالما سعى جاهداً لرسمها عن نفسه أنه جماعة لبنانية أولاً وقبل كل شيء. والآن بعد أن وصف «حزب الله» نفسه بأنه يتقدم الصفوف للدفاع عن المظلومين في وجه ما يتعرضون له من ظلم فضلاً عن محاولاته الدائمة التقليل من أهمية هويته الطائفية والداعمة لإيران، يجد الحزب أن هذه المزاعم قد تم الطعن عليها في ضوء رفضه للالتزام بالموقف الرسمي للحكومة اللبنانية بعدم التدخل في سوريا. بل وعلى العكس، يقوض دعم «حزب الله» الوقائي لممارسات النظام العلوي الوحشي ضد المعارضة السورية التي يقودها السنة في أغلب الأحيان صورته المنغرسة في الأذهان منذ وقت طويل على أنه حركة «مقاومة» لبنانية بدون شك أو ريب.

بل ضاعف «حزب الله» من دعمه لنظام الأسد، حتى بعد أن بدأت القنابل تعرف طريقها إلى الضاحية في جنوب بيروت. وكان نصر الله واضحاً وضوح الشمس عندما قال: “إذا كنتم تعاقبون «حزب الله» على دوره في سوريا، أقول لكم، إذا أردنا الرد على تفجير الضاحية، سوف نضاعف أعداد المقاتلين في سوريا – إذا كانوا ألفا سنضاعفهم إلى ألفين، وإذا كانوا خمسة آلاف سنجعلهم عشرة آلاف”. بالفعل، يقف «حزب الله» ونصر الله شخصيا إلى جانب الأسد حتى النهاية. وأضاف نصر الله، “إذا استدعى الأمر يوما ما أن يذهب «حزب الله» وأنا معه إلى سوريا فسوف نفعل”

فى مرحلة ما، حاول نصر الله التغطية على حقيقة أن الشيعة اللبنانيين والسنة اللبنانيين أصبحوا يتصارعون الآن علنا في سوريا ويهددون بجلب النزاع الطائفي عبر الحدود إلى لبنان، بأن أشار إلى أن شيعة وسنة لبنان اتفقوا على ألا يتفقوا بشأن سوريا. وقال نصر الله في خطاب له في مايو/أيار الماضي موجهاً كلامه إلى السنة بلبنان: “إننا نختلف بشأن سوريا. أنتم تقاتلون في سوريا؛ ونحن نقاتل في سوريا؛ فدعونا نقاتل هناك. هل تريدون مني أن أكون أكثر صراحة؟ فلنحيد لبنان عن القتال. لماذا يجب أن نتقاتل في لبنان؟” ولكن لم يلق هذا الطرح قبولاً لدى رفاق نصر الله من اللبنانيين، الذين أرادوا إنهاء التدخل اللبناني في الحرب في سوريا، فلا يوجد إنسان محترم يقبل أن يقتل مواطنون لبنانيون بعضهم البعض على الحدود.

في الخطاب ذاته، تحدث نصر الله عن “خطرين كبيرين” يواجهان لبنان. الأول هو “إسرائيل ونواياها وجشعها ومخططاتها”. وأضاف نصر الله أن الخطر الثاني يتعلق بـ “التغييرات التي تحدث في سوريا”. بالنسبة لإسرائيل، حذر نصر الله من أنها تشكل تهديداً يومياً للبنان. وأما سوريا، فالنظام هناك يواجه “محوراً تقوده الولايات المتحدة التي من المؤكد أنها صانعة القرار فيه”. كما أن البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين والألمان والعرب والأتراك مشتركون أيضاً، ولكنهم “جميعا يعملون لصالح الأمريكيين”. ولكن ما هي القوة الحقيقية المسؤولة عن “التغييرات التي تحدث في سوريا”؟ “نحن نعرف أيضاً أن هذا المحور يحظى بدعم ضمني من إسرائيل نظراً لأن المشروع الأمريكي في المنطقة إسرائيلي بامتياز”. وأكد نصر الله أن «حزب الله» لا يقاتل في سوريا في صراع طائفي، بل يكافح المشروع التكفيري السني المتطرف الذي يتصل بـ “القاعدة” و”تموله وتدعمه أمريكا” لتحقيق المصلحة الأمريكية بتدمير المنطقة. وبعبارة أخرى، إن الحرب الدائرة في سوريا لم تعد ثورة شعبية ضد نظام سياسي، ولكن ساحة تسعى من خلالها أمريكا إلى فرض مشروعها السياسي الخاص على المنطقة. واختتم نصر الله حديثه قائلاً: “حسناً، نعلم جميعاً أن المشروع الأمريكي في المنطقة مشروع إسرائيلي بلا شك”. وبذلك فإننا بقتالنا في سوريا “اليوم نعتبر أنفسنا ندافع عن لبنان وفلسطين وسوريا”.

ولكن مع ذلك فهناك ثمة عدد قليل من خارج مؤيدي «حزب الله» يقتنعون بهذا المنطق الملتوي بأن الثورة السورية مخطط أمريكي أو إسرائيلي. كما انخفضت نسبة الشيعة في لبنان بشكل كبير منذ بدء الحرب في سوريا. وهناك الآن ما يقدر بنحو مليون لاجئ سوري أغلبهم من السنة الذين فروا إلى لبنان، مما يشكل تحولاً كبيراً في التوازن الطائفي لدولة يقوم نظامها السياسي الطائفي على التمثيل النسبي (وإن كان نظاماً قديماً) بين المجتمعات الطائفية. وقد أدى هذا على أقل تقدير إلى تعاظم الاستياء الطائفي.

الاتجاه نحو عدم الاستقرار

الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحرب الأهلية السورية هي الكارثة التي تزداد سواءً يوماً بعد يوم. وفي منطقةٍ معروفة منذ أمدٍ طويل بعدم استقرارها وشحة مواردها، فإن الدول المجاورة لسوريا ليست مجهزة للتعامل مع 2.4 مليون لاجئ مسجل. واستضافت لبنان من السوريين ما يعادل خمس سكانها على الأقل، وأحد معسكرات اللاجئين الآن أصبح رابع أكبر مدينة في الأردن، ويتم تسجيل 13000 لاجئ جديد من قبل مكتب المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كل يوم. وداخل سوريا نفسها، يوجد أكثر من 6.5 نازح وأكثر من تسعة ملايين شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية.

وهذه الأعداد هي أكثر من مجرد نبذة محبطة عن الموقف على أرض الواقع اليوم، فهي تشير إلى توقعاتٍ طويلة الأجل لا تقل وخامة. وإذا ضممنا الأزمة السورية وآثارها الثانوية أو الثالثية سنجدها تخلق مجموعة من “الاختلالات التي تلوح في الأفق”، ولنستعير عبارة من الدراسة الرائعة لمجلس الاستخبارات الوطني بعنوان الاتجاهات العالمية في 2030: عوالم بديلة. وبالنظر إلى التأثير المشترك على المنطقة جراء استمرار الصراع لسنواتٍ طويلة، مع تفاقمها بسبب النعرة الطائفية وتغذيتها بالأموال والأسلحة من الداعمين للوكلاء المعنيين. بدءاً من التعليم والصحة والفقر وأنماط الهجرة وصولاً إلى الاحتياجات القائمة على المساعدات الإنسانية والتأثير الاقتصادي على الاقتصاديات الهشة، فستكون عواقب الحرب السورية على المنطقة ضخمة حتى لو انتهت الحرب نفسها غداً.

دعونا نركز ولو لحظة واحدة على هجرات اللاجئين، والتي لوحظت منذ فترة طويلة على أنها عوامل تزيد احتمالية نشوب الصراعات المسلحة. ففي عمليات النزوح والهجرة اليوم، تجد الغالبية العظمى من اللاجئين من المسلمين السنة، مما يشكل تهديداً خطيراً على التوازن الطائفي في المنطقة، لاسيما في لبنان. وقد انتقل مئات الآلاف من السوريين إلى مدن الأردن ليشكلوا عبئاً ثقيلاً على الاقتصاديات المحلية. ولا يمكن لدولة من تلك الدول الحفاظ على الحمل الثقيل لمدة طويلة فيما يتعلق بالخدمات العامة من مياه وكهرباء مروراً بالرعاية الصحية والتعليم. وهذا الضغط الرهيب قد يفتح الأبواب للمنظمات الإرهابية الممولة من الخارج لتحل محل الدولة، كما كان الوضع في حالة «حزب الله» في لبنان في ثمانينات القرن الماضي. وبدون ضخ المزيد من المساعدات الدولية بشكل كبير، فإن المنطقة بأسرها على حافة زيادة عدم الاستقرار وإتاحة الفرص أمام للمتطرفين في المستقبل المنظور. وفي الواقع، وفقاً لإحدى الدراسات، “فإن استضافة اللاجئين من دول الجوار يزيد إلى حدٍ كبير خطر اندلاع نزاعٍ مسلح”. حيث تزود معسكرات اللاجئين الجماعات المسلحة بالمتطوعين والإمدادات، ويشمل تدفق اللاجئين تدفق المقاتلين والأسلحة والأيديولوجيات الراديكالية. كما أن هناك أعباءً مالية واجتماعية تثقل كاهل البلد المضيف، من بينها تعطيل الاقتصاد المحلي واختلال التوازن العرقي للمجتمع المحلي. وفي حالة سوريا، وجد باحثون أن تدفقات اللاجئين إلى لبنان تزيد من مخاطر اندلاع الحرب الأهلية بنسبة 53.88، وتزيد من خطر اندلاع الصراع في الأردن بنسبة 53.51 في المائة.

الختام

لا ريب في أن الحرب الطائفية بالوكالة المستمرة والمتعمقة في سوريا ستقوض الاستقرار الإقليمي بطرقٍ يمكن أو لا يمكن التنبؤ بها على حدٍ سواء. وهذه الشهادة لم تتطرق حتى إلى العراق، وهي إحدى الدول التي تأثرت بشدة بالحرب في سوريا.

حتى قبل تفاقم الحرب في سوريا إلى هذا الحد، كانت التوقعات التي طرحناها للمنطقة تسير في هذا الاتجاه العام. وأترككم مع الاقتباس من “الاتجاهات العالمية لعام 2030″ من مجلس الاستخبارات الوطنية:

عدم الاستقرار المزمن سيكون سمة المنطقة بسبب الضعف المتنامي للدولة وصعود الطائفية والإسلام والقبلية. وسيكون التحدي صعباً على وجه الخصوص في دول مثل العراق وليبيا واليمن وسوريا حيث تستعر التوترات الطائفية تحت السطح وحيث تقوم الأنظمة الاستبدادية بتحييد جماعات الأقلية وتفرض تدابير قاسية لكبح جماح الخصومات العرقية. وفي [حالة] زيادة انقسام العراق أو سوريا، فإنه لن يصعب تصور ظهور كردستان جديدة. ونظراً لتقسيم اليمن من قبل، فمن المحتمل أن تكون مصدر قلق أمني مع ضعف الحكومة المركزية والفقر والبطالة ومع تعداد سكاني من الشباب سيرتفع من 28 مليون نسمة اليوم إلى 50 مليون نسمة في 2025. وقد تصبح البحرين مسرح معارك للتنافس السني الشيعي المتنامي، والتي قد تكون عامل زعزعة للاستقرار في منطقة الخليج.

أشك حتى الآن في أنه يمكن لأحد أن يتوقع الكارثة التي نواجهها في سوريا، بالإضافة إلى عدم الاستقرار الناجم عن اتساع نطاق الصراع الإقليمي الناشئ من هذا الصراع.

أنا أرى أن الولايات المتحدة لا تفعل ما يكفي لمعالجة هذه المشاكل الحساسة. وقد أدى عدم الاستجابة بفاعلية لهذه الأزمة إلى عواقب ملموسة ومروعة اليوم. وسيكون لدي الفشل في إعادة تقييم سياساتنا وطرح موقفاً أكثر استباقية نحو الأزمة الإنسانية والصراع نفسه عواقب تدميرية وموجعة في الغد القريب.

—————————————–

(*) معهد واشنطن

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > كلنا سوريا