هذا مايحصل في اسطنبول… القصة الكاملة

منذر آقبيق : نشرة تيار التغييرعندما تشكل الائتلاف في شهر نوفمبر الماضي، استغرب كثيرون لماذا لم يقبل بعض الأعضاء ان يأخذ كرسيه فيه، ولكن تبين للجميع السبب بعد ذلك، التشكيل تم بتركيبة وتشكيلة غير متوازنة سياسيا، ولا أريد الخوض أكثر في هذا الأمر لأن الجميع يعلم تلك التفاصيل.وتفجر الوضع عندما عقد تلك الجلسة الشهيرة التي انتخب غسان هيتو خلالها رئيساً للوزارة المؤقتة، ولاحظنا انسحاب الكثير من أعضاء الائتلاف من تلك الجلسة، ومنهم من جمد عضويته. فبدأت الأزمة التي كانت متوقعة على أي حال، في غياب توازن التشكيلة وغلبة تيار سياسي معين على عدد الأصوات، يصبح من هو خارج ذلك التيار مجرد عضو مهما تكلم ومهما قاوم، عند التصويت تسقط خياراته، وتنجح خيارات التيار الآخر، لذلك فان اختيار رئيس الوزراء لم يكن هو السبب الرئيسي للخلاف، ولكنه السبب المباشر لتفجره، وكان يمكن ان يحصل التفجير لدى اي استحقاق آخر.التيار المغلوب على أمره هو التيار الديمقراطي الذي يؤمن بالدولة المدنية، دولة المواطنة المتساوية لجميع أبنائها على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية، وعرقياتهم، وطوائفهم. وهذا التيار في غاية الأهمية لتحقيق اهداف الثورة ولمستقبل الوطن لعدة أسباب، أولا: انه يعري خطاب النظام وحلفائه بان الثورة هي طائفية أو مذهبية، بإثباته للجميع ان الثورة هي ثورة الشعب جميعه بكافة مشاربه ضد الاستبداد والطغيان، ثانيا: يمكن أن يشكل هذا التيار صمام الأمان الوطني لمستقبل سوريا بحيث يعمل على تجنب أي محاصصة عرقية أو طائفية سواء جغرافيا أو سياسيا، فليس كل شيء يحل بالقوة، فإذا اسقط الشعب السوري النظام بالقوة، لازال على قوى الثورة ان تكسب معركة القلوب والعقول مع جزء من الشعب متخوفا من درجة مشاركته واحتوائه ضمن سوريا الجديدة.ان تمثيل هذا التيار في الائتلاف بكتلة وازنة يحقق تلك الأهداف، إضافة انه يحقق للائتلاف إضافات فكرية وسياسية تغنيه وتقويه، وتعينه على مواجهة الاستحقاقات القادمة. نشر التيار الديمقراطي بيانا مباشرة بعد تلك الجلسة يدعو من خلاله على توسيع الائتلاف بكتلة مكونة من ٢٥ عضوا، ثم وهذا الأهم التوصل مع كافة التيارات السياسية في المعارضة والائتلاف على تفاهمات تشكل وثيقة مبادئ يعمل من خلالها الجميع موحدا ومتضامنا نحو تحقيق أهداف الثورة. هذا التوافق السياسي إذا حصل سوف يكون بمثابة توحيد لكافة أطياف المعارضة السياسية والثورية لأول مرة منذ بدء الثورة، ولا يمكن لأحد أن يجادل في مدى الفائدة التي سوف تجنيها الثورة من جراء هذا الاتفاق، إضافة إلى الضرر الذي يحدثه ذلك للنظام وحلفائه وخطابهم.بدأت المفاوضات مباشرة بعد إصدار ذلك البيان مع كاتبه ميشيل كيلو، وأرسل بناء على طلب الائتلاف في ذلك الوقت قائمة من ٢٥ اسم.بعد ذلك بشهر بدأت محاولات جديدة لتنظيم وتأطير القوى الديمقراطية بعد فشل محاولات سابقة وذلك عن طريق اعتماد آليات مختلفة بعيدة عن المحاصصة وتعتمد العضوية الفردية بدلا من عضوية المكونات، وكذلك تعتمد على انتخاب أعضاء الهيئة التأسيسية من قبل قواعدهم وفي محافظاتهم في دول المهجر، بدلا من فرض أولئك الأعضاء، وكذلك المشاركة في تحضير الوثائق التأسيسية بدلا من تقديم حلول جاهزة. لأجل ذلك عقد مؤخراً اجتماع تشاوري في القاهرة حضره حوالي ٢٤٠ شخصية اتفقوا على تشكيل اتحاد الديمقراطيين السوريين، على ان يستمر التشاور مع كافة القوى التي حضرت وتلك التي لم تحضر الاجتماع من اجل التحضير للمؤتمر التأسيسي.بعد ذلك مباشرة دعا الائتلاف ميشيل كيلو للقدوم إلى استانبول لتتويج اتفاق على توسعة الائتلاف تم عقده مؤخراً في جدة، وأتى ومعه وفدا مفاوضا مؤلفا من احمد عاصي الجربا ووليد البني والاثنان من الأعضاء الذين جمدوا عضويتهم نتيجة الخلاف أعلاه. وتركزت المباحثات على النقطة الرئيسية وهي التوسيع بكتلة الديمقراطيين ولكن تشعب إلى الكثير من الطلبات من طرف الائتلاف ومنها ان يتم الاتفاق على الرئيس والأمين العام الحاليين كشرط مسبق، وكذلك طلب رؤساء الكتل الرئيسية في الائتلاف مقاعد إضافية لهم، وطلبوا ان لا تكون قائمة التوسيع بأكملها مقترحة من الديمقراطيين، بل نصفها، وآخرين يضعون هم أسمائهم ويعطى الديمقراطيين الحق من الانتقاء منهم، وطلبوا تغيير بعض الأسماء من النصف الذي يسميه الديمقراطيين، وطلبوا ان يسموا أشخاصا بدون اعتراض ….الخ.وبعد مفاوضات شاقة جداً، وإلقاء كلمة لميشيل كيلو في اجتماع الهيئة العامة وأكد فيها على حسن النية واليد الممدودة للتوصل إلى اتفاقات ليس فقط قبل اسقاط النظام وإنما تتعدى ذلك إلى المرحلة الانتقالية وبناء الدولة، وتلقى خطابه استحسانا ظاهريا من الجميع بدون استثناء.تم التوصل إلى اتفاق يوم السبت، سرعان ما انهار صباح الأحد، وجلس المفاوضون وبمساعدة نائبي وزراء الخارجية لبلدين عربيين، إضافة إلى سفراء عدة دول كبرى، ووافق التيار الديمقراطي على كافة طلبات الائتلاف المذكورة أعلاه مما وضح للجميع درجة المرونة التي يبديها بدون المفاصلة على كرسي زائد أو ناقص أو الإصرار على بعض الأسماء التي لا يريدونها، ووافقوا يضا على ان يضع الائتلاف قائمة من ٢٠ اسم ويتم أختيار ٥ منها،…الخ. تم توقيع الاتفاق، وقال الائتلاف انه عليهم ان يذهبوا إلى التصويت. والمفاجأة كانت عندما أصر الائتلاف على التصويت على القائمة المتفق عليها اسما اسما بالاقتراع السري، ويسمح لكل عضو ان يشطب اي عدد يريد من الأسماء، وينجح فقط من يحقق أصوات ثلثي الهيئة بكاملها وليس الحاضرين، وكان الحاضرين اقل بسبعة أو ثمانية من الهيئة، أي حوالي ٥٥، وبحسبة بسيطة حتى قبل ان يبدأ التصويت يمكن أن يستنتج المرء أن نجاح القائمة بأكملها أمر مستحيل. وانتظر الجميع إلى أن انتهى عد الأصوات بعد الساعة الثالثة صباح الاثنين، ونجح من الديمقراطيين ٥، ومن أسماء وضعها الائتلاف ٣، من أصل قائمة مكونة من ٢٢، وحصل بقية اعضاء التيار الديمقراطي على متوسط ٣٠ صوت لكل منهم، وهذا كل شيء. طبعا بكافة المقاييس هذا يعتبر تراجعا كاملا من قبل الائتلاف على الاتفاق الموقع، وأصبحت الأمور حرجة، مما استدعى الديمقراطيين إعلان انسحابهم بالكامل بما فيهم الأعضاء القديمين، وانتقلوا إلى فندقهم وظلوا هناك الثلاثاء والأربعاء. التساؤل الذي يفرض نفسه هو هل فعلا تراجع رؤساء التيارات الأساسية في الائتلاف عن اتفاقهم بحجة التصويت، أم أن ليس لديهم سيطرة على أفراد كتلهم، يمكن أن يساعد في الجواب وجود أوراق صغيرة فيها ٥ أسماء فقط، ويبدو أن هناك بعض الجهد المنظم للتشطيب والانتقاء، وهذا يحصل في اي انتخابات وأمر عادي، ولكن ماهو ليس عاديا هو أولا: أن هناك اتفاق سياسيا على القائمة وبالتالي نتيجة الانتخابات يجب أن تكون محسومة إضافة إلى أن الانتخاب كان يجب أن يكون على القائمة بأكملها وليس اسما اسما، ثانيا: يصوت وينتخب مجموعة من السوريين هم غير منتخبين شعبيا أصلا على أحقية سوريين آخرين في الانضمام إلى المجلس التمثيلي، أي أن من هو موجود داخل الائتلاف الآن لديه الحق المطلق في قرار من هو وطني ومن هو معارض وكأنه نادي مغلق لأصحابه.فيما يتعلق بالسفراء: يوجد نظريتين يتم الآن تداولها بين أوساط السوريين، الأولى أن العالم بأجمعه متآمر علينا ويريد إجهاض الثورة وإبقاء الأسد (نظرية المؤامرة)، والثانية أنه يوجد فعلا مواجهة دولية على الأرض السورية بين معسكرين بما يشبه عودة الحرب الباردة. إذا اعتمدنا النظرية الأولى فان الثورة ليس لديها أصدقاء أبدا، أما إذا اعتمدنا الثانية فلدينا عدو وحلفاءه، ولدينا حلفاءنا وأصدقاءنا الذين نحتاج حتما إليهم هؤلاء الأصدقاء يولون التكتيكات السياسية أهمية كبيرة بدون أن ينكروا حق الشعب السوري في كفاحه المسلح، لذلك السفراء هم من شكل الائتلاف، وهم من يشجعون توسيعه واتفاق كافة أطياف المعارضة السورية من خلال جسم موحد ومنظم يمكنه من مواجهة الاستحقاقات السياسية بكفاءة. لم يصدر عن التيار الديمقراطي في أي وقت أنه يتنازل عن ثوابت الثورة، أو أنه يخضع السفراء، ولكن للأسف يوجد الكثير داخل الائتلاف ممن يتخوف من درجة التزام ذلك التيار بالثورة ويذهب إلى النظرية الأولى أعلاه، أما عن قناعة وأما خوفا على مواقعهم، والأرجح تلك الأخيرة. ولكن يوجد الكثير أيضاً داخل الائتلاف يولون أهمية كبيرة للتوافق السياسي وتوحيد المعارضة وهم حوالي نصفه.تبقى الاستحقاقات من حكومة وانتخاب رئيس وأمين عام جديدين مرهونة بحصول توافق، أما اذا ذهب الائتلاف إلى تلك الاستحقاقات بدون الاتفاق فسوف ينهار بالكامل، لأن الانسحابات سوف تتوالى بحيث لا يمكن تعويم الجسم مرة أخرى، وتبدأ رحلة البحث عن مشروع جديد لتمثيل الشعب السوري، وغالبا سوف يكون أغلب الممثلين الجدد من الداخل.
iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > كلنا سوريا