حسابات “الخوف”: كيف يفكر أطراف الصراع الليبي في أزمة “كورونا”؟

د. خالد حنفي على

يتندر الليبيون على وباء كورونا المستجد (كوفيد -19)، الذي انتشر في أكثرمن 162 دولة حول العالم، بقولهم إنه يخشى دخول بلدهم، لأنه إما سيُصاب هو نفسه بعدوىانقسام السلطة، أو سيلقى حتفه جراء الصراع المزمن. تلك المزحة قد تُعبّر عن امتزاجحالة السخرية الليبية من خطر الوباء بالإحباط من واقعٍ صراعيٍّ لا يكاد يدنو من السلامخطوة، حتى يبتعد عنه خطوات أخرى، برغم مرور تسع سنوات على سقوط نظام “القذافي”.

وبرغم إعلان السلطات الليبية المنقسمة عدم تسجيل أي إصابات بكورونا فيالبلاد، حتى الاثنين 23 مارس 2020، فقد تصاعدت مخاوفها من احتمال انتشار الوباء، وربماتحوله إلى كارثة، في ظل تردي البنية الصحية للبلاد، وضعف جاهزيتها. لذا، اتخذت حكومةالوفاق الوطني في غرب ليبيا، ونظيرتها الموازية في الشرق، خلال الأيام الماضية، سلسلةمن الإجراءات الاحترازية في المناطق الخاضعة لسيطرتهما عسكريًّا لمواجهة فيروس كورونا،منها: حظر التجوال، ومنع التجمعات، وإيقاف المدارس، وإغلاق المنافذ الحدودية والبحريةوالجوية، فضلًا عن حزمة من الإجراءات الاقتصادية.

على جانب آخر، رحّب طرفا الصراع في معركة طرابلس (حكومة الوفاق، الجيشالوطني الليبي) يومي 18 و21 مارس على التوالي بدعوات أممية ودولية لإقرار هدنة إنسانيةفي ليبيا لدعم الجهود المبذولة للتصدي لأزمة كورونا. ومع ذلك، لم تَخْلُ تلك الاستجابةمن هشاشة، فلم يمضِ يوم واحد على هذه الهدنة حتى تعرضت لخروقات من أطراف الصراع، إثرالقصف المتبادل في جنوبي طرابلس وترهونة.

بذلك، تعرضت تلك الهدنة لمأزق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه منذ 12 ينايرالماضي، ولم يفلح في تثبيته لا الحشد الدولي والإقليمي في مؤتمر برلين في الـ19 منالشهر نفسه، ولا ما تمخض عنه من مسار عسكري في جنيف، إذ ظلت مسودة وقف النار التي تمالتوصل لها، من خلال اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 برعاية أممية في الـ23 من فبرايرالماضي، محل خلاف بين قيادات أطراف الصراع.

من هنا، فإن السؤال المطروح هو: كيف يفكر أطراف الصراع الليبي في أزمةكورونا ومخاطر انتشارها؟ وما مدى تأثير تلك الأزمة على مسارات الحرب والسلام؟ لا سيمافي ظل تغير أولويات القوى الخارجية المتدخلة في ليبيا، والتي تركز كل جهودها في التوقيتالراهن على مكافحة انتشار ذلك المرض.

دوافع الخوف:

تُدرك الأطراف المتنازعة، سواء أكانوا أفرادًا أم قادة في مناطق الصراعاتالعنيفة، أن أحد الاحتمالات التي تواجههم في المعارك هو الموت، فلماذا -إذن- قد يخشونأزمة كورونا طالما أن هذا الاحتمال قد يكون قائمًا في الحالتين؟. لكن عند التفكير مليًّابالأمر، فإنه يمكن القول إن تهديد خطر البقاء قد يختلف ما بين خصم تملك القدرة علىمعرفة تهديده، وتوقع سلوكيّاته، وما قد يملكه من أدوات صراعية، وآخر قد يتسم بالغموضوالتعقيد، حيث لا تُعرف على وجه اليقين سماته وحدود مخاطره.

في الحالة الأولى، قد يبدو الخوف طبيعيًّا لأنه يمكن لأطراف النزاع السيطرةعلى التهديد نسبيًّا، أو حتى توقّعه بقدر ما في مناطق القتال من تكتيكات. بينما فيالثانية قد يتحول الخوف من التهديد الغامض إلى ذعر، لأن قدرة أطراف النزاع على السيطرةأو التنبؤ بمسارات هذا التهديد تنعدم تقربيًا، كما الأمر مع وباء كورونا، الذي بداكعدو غير مرئي، كما وصفه “ترامب”، إذ لا يميز في الإصابات والوفيات بين عدووصديق، أو دولة مستقرة وديمقراطية، وأخرى تسلطية أو مضطربة. والأكثر خطورة أنه لم يتماكتشاف لقاح أو دواء لمواجهته حتى اللحظة الراهنة.

في هكذا سياقات، تنشأ حسابات الخوف، خاصة لدى القادة في مناطق الصراع،حيث قد تدفعهم -على الأرجح- إلى تغيير خطاباتهم وسلوكياتهم، انتظارًا إما للرهان علىالوقت لتجاوز الأزمة، أو الحد من تداعياتها على مصالحهم المباشرة بالصراع. فببساطة،لا يمكن إغفال أن أي صراع مسلح يعتمد بالأساس على العنصر البشري، وبالتالي فلو تعرضذلك العنصر للضرر من الوباء، فقد يعني ذلك عدم قدرة الأطراف على الاستمرار في الصراعذاته.

زد على ذلك أنه من الصعوبة عمليًّا تطبيق سياسات العزلة والتباعد الاجتماعيالتي تنتهجها الدول لمواجهة كورونا في إدارة ساحات المعارك العسكرية. فعلى الرغم مندخول الأسلحة التكنولوجية الحديثة، كالطائرات دون طيار وغيرها، لمناطق الصراع في الشرقالأوسط، ومنها ليبيا؛ فلا يزال القتال البري المباشر ملمحًا رئيسيًّا لديناميات الصراع،خاصة في حروب المدن، لا سيما مع استهداف أطراف الصراع السيطرة على مناطق ميدانية يحوزهاالخصوم، وقد تعج بالسكان، بما سيفترض التواصل معهم، مثلما نمط المعارك في غرب ليبيا،والتي للمفارقة تضم العدد الأكبر من سكان هذا البلد، مقارنة بمنطقتي الشرق والجنوب.

قد يفسر ذلك المنطقُ العقلانيُّ الذي يؤطر حسابات الخوف نمطَ الاستجابةالإنسانية الأخيرة لأطراف الصراع لوقف القتال في ليبيا بسبب أزمة كورونا، أو حتى عدمالتصعيد الحاد والاقتصار على نمط خروقات متبادلة، حيث قد يخشون على الجنود الموالينلهما من الإصابة بالوباء بما يغير كليًّا من توازنات المعارك في أي لحظة. مع ذلك، فإنثمة عوامل أخرى مضافة تطرحها طبيعة السياقات الصراعية في ليبيا، وتضاعف أكثر من حساباتالخوف لدى أطراف الصراع من فيروس كورونا، ومنها:

1- انكشاف النظام الصحي: إذ تعاني البنية الصحية الليبية (المستشفيات،أعداد الأطباء والممرضين، والمستلزمات الطبية) ترديًا بسبب تضررها من الحرب المستمرة،سواء إبّان تدخل حلف الناتو في عام 2011، أو إثر نشوب الحرب الأهلية في صيف عام2014، والتي أدت إلى انقسام السلطة وتأثر وظائفها بما فيها الصحية. ولا تسعف تلك الأوضاعُالدولةَ الليبية على الاستجابة الفعالة لأزمة كورونا، حال انتشاره، لا سيّما إذا قارنّاذلك بدول أخرى متقدمة ومستقرة أكثر تطورًا لم تستطع احتواء المرض، مثل إيطاليا. فضلًاعن معضلة النازحين ومراكز إيواء اللاجئين، حيث قد تتراجع عندها القدرة على توفير أماكنللحجر الصحي وأجهزة تنفس، إذا ما برزت أزمة كورونا. لذا فإن ثمة خشية دولية على خطرمحتمل في ليبيا إذا انتشر المرض، وفقًا لتحذير أشارت له مؤخرًا “إليزابيث هوف”ممثلة منظمة الصحة العالمية في ليبيا.

وما قد يُعزز ذلك أن مؤشر الأمن الصحي العالمي في عام 2019 (GHS INDEX) يضع ليبيا في المرتبة168 من بين 195 دولة في العالم، ذلك أن جاهزية البنية الصحية أضعف من أن تتعامل معالأوبئة أو تحد من انتشارها، وهو أمر مماثل لدول الصراعات في الشرق الأوسط، كما حالالعراق وسوريا واليمن، حيث نالت تلك البلدان مراتب متدنية هي الأخرى على التوالي فيالمؤشر (167، 188، 190)، ناهيك عن الفجوات الصحية بين مناطق ليبيا، نتاجًا لنمط التنميةالمناطقية اللا متوازنة وعدم المساواة التي كرسها نظام “القذافي” طيلة عقودحكمه الأربعة، حيث كان الليبيون يلجئون إلى دول الجوار الإقليمي، كتونس ومصر وإيطاليا،لتلقّي الخدمات الصحية، وازداد هذا الأمر مع عدم الاستقرار الليبي بعد عام 2011.

2- حصار كورونا في الجوار الإقليمي: إذ تعاني غالبية دول الجوار الحدوديلليبيا، وخاصة مصر والجزائر وتونس والسودان، وجود إصابات ووفيات جراء فيروس كورونا،وإن كان بدرجات متفاوتة، كما لم تصل إلى حد الانتشار الواسع، كما حال إيطاليا التيلا يفصلها عن سواحل ليبيا سوى 320 كم، إذ أصبحت ثاني بؤرة عالمية في انتشار مرض كوروناالمستجد بعد الصين، حيث سجلت 59138 إصابة، بينما وصل إجمالي الوفيات إلى 6077 (الاثنين23 مارس 2020).

تبدو المعضلة هنا في حجم التفاعلات متعددة المستويات بين ليبيا والدولالمصابة بفيروس كورونا، ناهيك عما أسفر عنه الصراع الليبي من لاجئين في دول الجوار.وبرغم إغلاق الحدود بين ليبيا ودول العالم، فلا يُعرف يقينًا ما إذا كان هنالك تسربمن تلك الدول المصابة إلى ليبيا، مع بداية أزمة كورونا من عدمه، في ظل هشاشة السيطرةعلى بعض مناطق الحدود الطويلة مع دول الجوار الإقليمي، خاصة من جهتي الغرب والجنوبالليبي.

3- مخاطر التدخل الأجنبي: إذ يحمل وجود مرتزقة أجانب وقوات ومستشارينمن دول أخرى لمساندة أطراف الصراع الليبي خطرًا مضاعفًا لاحتمال انتشار كورونا. فعلىسبيل المثال، فإن وجود مرتزقة سوريين بالآلاف في طرابلس، فضلًا عن مستشارين وجنود منتركيا، لدعم ميليشيات الوفاق في غرب ليبيا في مواجهة الجيش الوطني الليبي، قد يُثيراحتمال انتشار العدوى، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن تركيا أصبحت إحدى بؤر المرضفي منطقة الشرق الأوسط، حيث بلغت الإصابات 1256 والوفيات 30 شخصًا، حتى الأحد 22 مارس2020. وإذا أضفنا إلى ذلك وجود بعثات ومنظمات دولية وأجنبية إغاثية تعمل على الأراضيالليبية؛ فإن احتمال ظهور كورونا قد لا يمكن استبعاده في أي لحظة.

4- الانشغال الإقليمي والدولي: فمع تحول فيروس كورونا إلى التحدي الأكبرللقوى الكبرى والإقليمية ذات المصلحة في ليبيا، فقد يؤثر ذلك على حالتي السلم أو الحرب،على أساس اعتبارين أساسيين؛ الأول أن الصراع الليبي يتخذ شكل الحرب بالوكالة، وبالتاليإذا كان الرعاة مشغولين بمحاربة كورونا، فإن الوكلاء قد يتأثرون بالتبعية بذلك، سواءعلى صعيد الدعم السياسي أو الاقتصادي أو إمدادات السلاح، لا سيما مع حركة إغلاق الحدودومخاوف الدول من أي تفاعلات خارجية قد تؤدي إلى انتشار الفيروس لديها. وإن كانت تلكالفرضية قد تواجه معضلة انتشار السلاح الكثيف خلال السنوات الماضية، بما قد يسمح للوكلاءبالاستمرار في المعارك، ولو فترة من الزمن دون الاحتياج لتدفقاته من الرعاة.

أما الاعتبار الثاني فيتعلق بأن حالة الانشغال العالمي بكورونا قد تؤثرعلى الجهود الدبلوماسية الأممية والدولية لتسوية الصراع، والتي أخذت ملمحًا متصاعدًامنذ مؤتمر برلين الأخير، حيث عُقدت بعده اجتماعات للمسارات الثلاثة، السياسية والاقتصاديةوالعسكرية. صحيح أنها لم تُسفر حتى اللحظة عما قد يوقف الحرب ويتجه بالبلاد إلى التسويةالسلمية، لكنها على الأقل قد تتعطل أو تتباطأ مع انتشار كورونا عالميًّا، بسبب القيودعلى تحرك الممثلين السياسيين لأطراف الصراع إلى الخارج. بل إن التعهد الأوروبي في مؤتمربرلين بإنشاء قوة بحرية لمراقبة حظر السلاح إلى ليبيا قد يواجه هو الآخر تحديًا حولمدى إمكانية تطبيقه مع الآثار الوخيمة لأزمة كورونا. كما لم تستقرّ الأمم المتحدة بعدعلى بديل للمبعوث الأممي “غسان سلامة” الذي استقال في مطلع مارس الجاري،حيث حلّ محلّه مؤقتًا نائبته “ستيفاني وليامز”.

5- خطر فقدان الشرعية: فالاستجابات السريعة لأطراف الصراع في ليبيا لمواجهةكورونا، سواء على صعيد الإجراءات الأمنية والصحية والاقتصادية، تعكس سعيهم للحفاظ علىشرعيتهم الأخلاقية والسياسية وقت الأزمة أمام أنصارهم وحلفائهم في المناطق الليبيةالخاضعة لسيطرتهم، بما قد يساعد على تجنب المحاسبة، سواء عند تجاوز الأزمة، أو حتىإذا ما انتشر المرض وحصد أرواحًا في المجتمع. ولعلّ بيان الجيش الليبي الذي رحب فيهبالهدنة الإنسانية الأخيرة، سعى مثلًا للضغط على شرعية حكومة الوفاق أمام حلفائها فيغرب ليبيا، عندما حملها المسئولية عما أسماه “الجرائم الأخلاقية” إذا مااستمر تدفق المرتزقة السوريين إلى العاصمة طرابلس. على الجانب الآخر، فقد تحرك الجيشالليبي سريعًا للانتشار لفرض حظر التجول منذ الخميس الماضي، بخلاف تجهيز الجيش لمشفيينعسكريين في شرق ليبيا؛ أحدهما في قاعدة بنينة، والثاني الهواري للتعامل مع حالات الطوارئ.

6- مخاطر الأزمة الاقتصادية: حيث قد تتعاظم مخاوف أطراف الصراع من أزمةكورونا، في سياق تصاعد الأزمة الاقتصادية الداخلية، في ضوء إغلاق موانئ وحقول النفطقبل أكثر من شهرين، ما خفض من الإنتاج، وأدى لخسائر بلغت قرابة 3.3 مليارات دولار،وفقًا للمؤسسة الوطنية للنفط. وتعمقت أزمة القطاع النفطي الليبي مع تراجع الأسعار العالميةمؤخرًا إلى ما دون الثلاثين دولارًا، ما خفض تقريبًا ثلث ميزانية حكومة الوفاق في عام2020، فضلًا عن الركود الذي بدأ يصيب الاقتصاد العالمي إثر إغلاق الدول لحدودها، وتباطؤالتبادل التجاري بعد أزمة كورونا.

وبينما تُلقي حكومة الوفاق باللائمة على الجيش الليبي في ذلك الإغلاقالنفطي، كونه يسيطر عسكريًّا على تلك الموانئ والحقول؛ إلا أن الجيش ينفي، حيث يشيرإلى أن جماعات قبلية في شرق ليبيا هي التي أقدمت على ذلك، احتجاجًا على إنفاق حكومةالوفاق عائدات النفط على الميليشيات والمرتزقة في معركة طرابلس. وتكمن معضلة ورقة النفطفي أنه بينما يسيطر الجيش الليبي عسكريًّا على حقول النفط التي تميل غالبيتها لجهةالشرق، فإن العوائد تدار من طرف المؤسسة الوطنية للنفط التابعة لحكومة الوفاق المعترفبها أمميًّا، وكجزء من ضغوطات القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، على قطاع النفطالليبي. ومما زاد من معضلة تلك الورقة، الاتفاقات الليبية التي سعت لتسوية الصراع وتجاهلتبناء اتفاقات محددة حول التوزيع العادل لعوائد النفط، بما فيها اتفاق الصخيرات المتعثرمنذ توقيعه في ديسمبر 2015.

تأثيرات محتملة:

برغم صعوبة التنبؤ بتأثير أزمة كورونا على أطراف الصراع الليبي، بسببحالة الغموض والضبابية لتلك الأزمة؛ لكن مع ذلك يمكن طرح ثلاثة مسارات محتملة سترتهنعلى الأغلب بمحددين، أحدهما مدى قدرة القوى الكبرى والإقليمية على تجاوز أزمة ذلك المرضواحتواء مخاطره، ومن ثم معاودة الاهتمام بمناطق الصراعات كليبيا، والآخر مدى قدرة البنيةالصحية الليبية على الاستجابة حال ظهور المرض وانتشاره.

ويتعلق المسار الأول باحتمال جمود الصراع، خاصة في معركة طرابلس التيمر عليها قرابة العام، دون إحداث تغيرات نوعية في مواقف الأطراف الميدانية المتحاربة،إذ ازدادت الأمور صعوبة بعد لجوء حكومة الوفاق الأخيرة إلى جلب مرتزقة سوريين، فضلًاعن إبرام مذكرة تفاهم أمني وبحري مع تركيا، في مسعى لسد ثغرات موازين القوى مع الجيشالوطني الليبي. ومع ذلك، لا يُمكن إغفال أن ميزان القوى يميل إجمالًا أكثر للجيش، إذيُسيطر على غالبية أراضي البلاد شرقًا وجنوبًا، فضلًا عن مناطق في محيط العاصمة طرابلس،بخلاف ورقة النفط، لذا قد تخشى حكومة الوفاق وحلفاؤها استمرار الصراع في الوضع الراهن،لأنه سيفرض عليها مزيدًا من الضغوط المزدوجة إذا انتشر كورونا في غرب ليبيا. على جانبآخر، قد يكون من مصلحة الجيش الليبي أيضًا تجميد الصراع في اللحظة الراهنة كي يواجهأزمة كورونا، وذلك لدعم تحالفاته وشرعيته في المناطق التي يسيطر عليها.

أما المسار الثاني، فيشير إلى احتمال تصاعد الصراع، وقد ينشأ إذا استشعرأحد الأطراف المتنازعة أن عدم الاهتمام الدولي إثر انتشار كورونا قد يمثل فرصة لتغييرموازين القوى لصالحه في معركة طرابلس. لكن سيظل ذلك الاحتمال مرتبطًا بما إذا كان كوروناسيصل إلى ليبيا من عدمه، وحدود انتشاره إذا ظهر، لأنه حال حدوث إصابات أو وفيات منذلك المرض، بشكل لا يمكن احتواؤه، فقد يصعب على أطراف الصراع مواصلة القتال عمليًّا.ولعل بعض الاتجاهات المتشددة تدفع إلى سيناريو تصعيد الصراع في هذا التوقيت، كما حالالمفتي المعزول “الصادق الغرياني” الذي دعا الليبيين في الغرب إلى عدم الاهتمامبكورونا، وتوجيه كل دعمهم للجبهة العسكرية في مواجهة الجيش الوطني الليبي.

ما بين هذا وذاك، يبرز مسار ثالث، حيث قد يظل أطراف الصراع ضمن مسار المراوحةما بين السلم والحرب، بحيث يبقون على وضعية الهدنة الهشة بسبب حسابات الخوف من تأثيراتمحتملة لأزمة كورونا. ويعزز ذلك المعضلة المستعصية التي تعترض بالأساس تثبيت وقف إطلاقالنار. فبينما يشترط الجيش الوطني الليبي إخراج المرتزقة والقوات التركية، ووقف إمداداتالسلاح التركي، وتصفية الجماعات الإرهابية من غرب ليبيا، كي يتم تفعيل ذلك الوقف؛ تطالبحكومة الوفاق بعودة الجيش الليبي إلى ما قبل خطوط بدء معركة طرابلس في الرابع من أبريل2019. هنا، يخشى طرفا الصراع تقديم أي تنازلات خشية تصدع تحالفاتهما الداخلية والخارجية،ما قد يُبقي الصراع قائمًا دون تصعيد حاد، منتظرًا ما قد تفسر عنه أزمة كورونا من تغيراتعالمية وإقليمية قد تطال مناطق الصراع في الشرق الأوسط.

مركز المستقبل للابحاث والدراساتالمتقدمة

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > جريدة الصباح الجديد
حسابات “الخوف”: كيف يفكر أطراف الصراع الليبي في أزمة “كورونا”؟,