كامل عبد الرحيم: الشيوعيون حاليا في متاهة عبر العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي استسلموا للتغيير

حوار مع من يرى أنّ «الرأسمالية والماركسية هي سياسات تقدمية»

في العراق لم يكن هناك فكر ماوي بمعنى الكلمة بل فكر جيفاري
العولمة اليوم هي الشكل الجديد من الإمبريالية
نحن بحاجة إلى أنسنة هذا العالم الوحشي. والماركسية أحد أوجه الأنسنة

حاوره: ملهم الملائكة

كامل عبد الرحيم عراقي لم يكن يعرفه أحد خارج دوائر اليسار، لكنه اعتنق فيسبوك منذ عام 2015، وحقق على صفحته الشخصية آلاف المتابعين والاصدقاء، وبات جمع كبير من الناس يترقبون «بوستاته» الثورية.
ملهم الملائكة التقى من وصف نفسه في النهاية بأنه «حالم» في بغداد بعد أن عرفه على فيسبوك. فكان هذا الحوار.
للوهلة الأولى تخاله يسارياً متطرفا، لكن حين يقترب منه المرء يراه رافضاً لكل شيء ومحتجا على كل شيء ومع ذلك فهو يتعايش مع كل شيء، لذا لم يترك العراق رغم عمره البالغ 66 عاما، لكنه لم يؤدِ الخدمة العسكرية التي سحقت رجال العراق على مدى أربعة عقود.
في مقهى نازك الملائكة بالكرادة الشرقية انتبذت مع كامل عبد الرحيم طاولة وبقينا نتحاور في مساحة فسيحة من الحديث. سألته كيف يحبّ أن أصفه، وماذا عن تاريخه الأدبي أو السياسي فقال:
أنا ببساطة مدوّن على صفحات التواصل الاجتماعي، لم أنشر شيئا قط في أي مكان قبل عام 2015، بسبب مواقفي من وسائل نشر النظام السابق، فصوت الإنسان ليس مجانيا. قبل السقوط لم أتمكن من النشر في عهد النظام السابق، وبعد النظام لم أنشر في عصر الفوضى. ولم أكن من المحظورين في عهد النظام السابق، لكن كانت الكتابة مؤدلجة، من يكتب في الصحف الصفراء (صحف النظام السابق) توضع عليه علامة اكس. حتى في طريق الشعب (الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي العراقي) لم أكن أنشر لأنها صحيفة حزبية، صحيفة الحزب الواحد، صحيفة تعبوية لا يمكن لمن مثلي أن يكتب فيها، لذا لم أكتب في الفكر الجديد وطريق الشعب والثقافة الجديدة، لأنها صحف ومجلات حزبية. بشكل عام كان المهم بالنسبة لنا البقاء على حافة الحياة. ومنذ عام 2015 صدرت لي 3 كتب هي:
ابن اليهودي. رواية
أجيد المسيرة وحيداً. ديوان شعر
كتابات ضد التيار. بوستات فيسبوك (ولعل هذا يؤشر لوناً جديدا في الكتابة، هو بوستات مواقع التواصل الاجتماعين التي جمعها كامل عبد الرحيم ونشرها في كتاب).

إذا أنتَ بقيتَ رافضا للمتاح، ستكون واقفا على حافة المجتمع وفي هامش الحياة وليس في خضمها؟

في الثمانينات والتسعينات كان التجنيد الإجباري، حيث كان العراقي مشروعاً للقتل، مشروعا للتعبئة لأفكار النظام السابق. كان همّنا البقاء على قيد الحياة، هل يعني هذا وقوفا على هامش الحياة؟هل تقول أنّك لم تمش للحرب في عصر صدام حيث ذهب الجميع، كيف جرى هذا ؟مثلما استطعت أن لا أكون بعثياً، استطعت أن لا أؤدي الخدمة العسكرية، ومع نفسي أقول من باب السخرية «اثنان لم يخدما العسكرية في العراق، أنا وعدي صدام حسين».أين تقف بالضبط وأنت ترفض الجميع؟نحن جيل الرماد، وليس جيل المرحلة الرمادية، نقف حيث نقف، والتصنيفات لا تصف حالتنا، لكن هروب المناضلين إلى الخارج آنذاك مهما كانت أسبابه لا يضعهم ضمن وصف الرماد، (لأنهم عاشوا مترفين بعيداً عن هموم الوطن وانسحاق الشعب). بمعنى أنهم لم يكونوا مناضلين.وماذا عن الانتفاضة عام 1991؟الموضوع كان عفوياً، لا تخطيط له، ولا فضل للأحزاب فيه، ربما باستثناء كردستان التي كانت فيها أحزاب فاعلة. وهو رد فعل على الكرامة العسكرية المهدورة. النظام لم يثأر لكرامة الجيش المهدور، فكانت الانتفاضة فعلاً جماهيرياً واعيا، فقد تم تصفية العناصر الأمنية والحزبية بنسبة تتفوق كثيراً على ما جرى في 2003. أنا ابن ذلك العصر وهذا، ولست شاهداً على العصر.هل أنت معترض على التغيير في 2003 أم لا؟لا يمكن أن اعترض على التغيير، أنّه منطق العصر، انهيار الديكتاتوريات حتمي، تروتسكي قال «إنّ الثمن الذي تدفعه الشعوب في صعود هذه الأنظمة، أقل بكثير من الثمن الذي تدفعه لدى اسقاطها أو انهيارها». الانهيار أكثر فداحة. ما حصل في 2003، كان يجب أن يكون، أما التداعيات فالشعب العراقي يتحمل جزءا منها، ولكنّ النخب تتحمل نسبة أكبر. الإدانة الرئيسية تقع على النخب الحاكمة.
وقد جهدت أن اعمل لصنع التغيير، فقبل السقوط (سقوط نظام صدام حسين عام 2003) كان لديّ مكتب، نلتقي فيه ونحن مجموعة أصدقاء، اتكلم قبل 2003، وكنت مع الرأي الذي يقول الضربة حتمية». بعد 9 نيسان، اقمنا تنظيماً اسميناه 14 تموز، وقد احتللنا قاعة كولبنكيان (المتحف الوطني للفن الحديث)، وباتت أعدادنا بالألوف، ولكن تآمرت علينا الأحزاب المعروفة. الكل مساهمون في التغيير، لم نكن نملك رؤيا فيما يحدث، كما هو حال الحدث الآن. الفترة الظلامية التي امتدت 4 عقود غيّرت كل شيء، الكل كان يبحث عن تعويض أو ثمن. على مدى سنوات البعث، تعلمنا على فهم معين للعمل السياسي، بعد 2003 بات الموضوع ليس مجرد عطاء كما ينبغي أن يكون عليه موقف السياسي، بل بات الموضوع هو أخذ. كل شيء خضع للموازنة.الشيوعيون لم يفكروا ب»الأخذ» منذ 2003 رغم وجود قياداتهم في السلطة؟بدأ الأخذ بالمحاصصة، حيث حصل الحزب الشيوعي على مقعد، وقد نال السكرتير العام للحزب مقعداً في مجلس الحكم، ثم مقعداً في البرلمان لأنه ابن الطائفة الفلانية وليس لأنه شيوعي؟ما تاريخ القيادة المركزية أو نضال الجنوب المسلح؟الخلافات في صفوف الحزب الشيوعي العراقي قائمة منذ تأسيسه، وحمل السلاح في الأهوار له علاقة بتلك الانشقاقات في صفوف الحزب، وأهم انشقاق كان مجموعة داوود الصائغ، وتلاها الانشقاق بين وحدة القاعدة والشغيلة. والخلاف جرى بين القيادة المركزية واللجنة المركزية، وبتحصيل الحاصل مارست الكفاح المسلح اللجنة المركزية في كردستان، والقيادة المركزية مارسته على نطلق محدود جدا في الأهوار جنوب العراق. وبدأ الانشقاق بعد انقلاب 8 شباط 1963، وتنامى حتى أخذ شكل الكفاح المسلح في الأهوار.ألم تقترب القيادة المركزية من الفكر الماوي حين ذهبت إلى جنوب العراق؟في العراق لم يكن هناك فكر ماوي بمعنى الكلمة، بل فكر جيفاري، ولم تكن في البلد تجربة تستلهم الفكر الماوي. لقد تبلورت أفكار جادة، لكننا لسنا من هذه الأفكار. خالد أحمد زكي مثلاً كان جيفاري الفكر، وشخصية عالمية، بل إنّه كان سكرتيرا للمفكر برتراند رسل، وصديقا للمفكر الباكستاني طارق علي. متأثرا بالفكر الجيفاري خرج خالد زكي عن الصراع، وأسس جماعة كفاح الجنوب المسلح، وارسل طلائعه للأهوار، وانتقل بعدها هو إلى الأهوار، ثم حصل الانشقاق. القيادة المركزية شيء، وجماعة كفاح الجنوب المسلح شيء آخر تماماً، ربما شملت قيادات كفاح الجنوب المسلح عبد الأمير الركابي الذي يدّعي أنه كان ضمنها، وكذلك رافد الكبيسي، أما مظفر النواب فكان مع الفكرة، وكان مع الفكرة حين كان معلماً في الأهوار في خمسينيات القرن العشرين، وهذا جرى قبل قيام كفاح الجنوب المسلح، وقصيدته الشهيرة «وتريات ليلة» تتحدث عن هروبه من سلطة البعث عام 1963 وعبوره إلى إيران، حيث اعتقلته السلطات الإيرانية واعادته الى سلطات العراق. هناك أيضا جيش التحرير الشعبي وقادته معين النهر وظافر النهر وكلاهما استشهدا. نشط جيش التحرير الشعبي في بغداد وكردستان وحتى في سوريا خارج ثنائية اللجنة المركزية والقيادة المركزية.
نحن في عصر العولمة نشهد أممية من نوع آخر عابرة للقارات، أممية يمثلها أسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي، والظواهري، لنسمها أممية إسلامية، والبعض يسميها إرهابا. أليس هذا هو عين ما فعله جيفارا؟
اساسا تعريف الإرهاب حديث، تم استحداثه من قبل الإسرائيليين، أبو مصعب الزرقاوي بالنسبة لي هو إرهابي، بتعريفه الرسمي «الإرهاب هو قتل المدنيين غير الحزبيين لتحقيق مكاسب سياسية». تروتسكي كان له كتاب اسمه « الإرهاب والشيوعية» كان استباقا يتحدث عن مفهوم الإرهاب بوصف الحرب الشعبية؟أليس هذا هو ما فعله كاسترو وستالين وماو، كانوا يقتلون المدنيين المعترضين على مسيراتهم؟لا نستطيع أن نخلط الأمور هكذا، كل تجربة تختلف عن الأخرى. اذا أردت أن تنظر إلى ما يسمى «بالجهاد الاسلامي» على حد وصفهم فهو عابر للقارات، عابر للحدود، ليس من أجل التوحيد بل من أجل التكفير فهو يكفّر الآخر البعيد. بينما الرؤى الأممية كما كانت عليه في الحرب الإسبانية مثلا، فتختلف كثيراً، ونفسه جيفارا تبنى مفهوم البؤرة الثورية أمام الحرب الباردة وتراجع المعسكر الاشتراكي وتكاسله، وهو مفهوم انضاج بؤرة ثورية لنشر الثورات. أما التجربة الصينية، فتختلف جذرياً.ماذا فعل جيفارا؟ ذهب الى بلد آخر ليحرره من حاكمه، باتيستا في النهاية كان كوبيا. وبنفس القياس بشار الأسد سوري، ويأتي أبو بكر البغدادي العراقي ويقود آلاف الغرباء من العرب والأوربيين والشيشان وغيرهم ويحاول أن يسقطه عن السلطة، أليست هذه فكرة عابرة للقارات أيضا؟عذراً، ولكن هذه مقاربة سطحية. يجب التركيز على نوعية الأهداف التي يناضل من أجلها الثوري. هل انتهى عصر الثورات؟ ممكن أن يكون عصر البؤر الثورية قد انتهى، ممكن أن يكون هذا الموضوع قد أصبح جزءا من الماضي. أما التلميح في سؤالك إلى المقارنة. المهم القدرة على نقل التجربة. تعريف الإرهاب تعريف رأسمالي، فهو القتل العشوائي للمدنيين»، وجاء التعريف لسحب البساط من تحت المقاومة الفلسطينية التي شاءت أن تقتل «الصهيوني أو الإسرائيلي»، لا فرق بين المفهومين. حيث أن المقاومة الفلسطينية كانت وما زالت تقول مادام هذا مغتصبا للأرض، فيجوز قتله، سواء كان مديناً أم عسكرياً. وهذا حصل في ظل عدم توازن ميزان القوى بين المقاومة الفلسطينية وبين الماكنة العسكرية الإسرائيلية.أنت بهذا تقترب من حدود نظرية المؤامرة، والمقاربة ليست كذلك، فقد ذهبتَ إلى أن تبني تعريف الإرهاب انطلق لتبرير القضاء على المقاومة الفلسطينية؟مفهوم الإرهاب، وانا اتبناه حاليا بسبب الفراغ الثوري الفكري والثوري في العالم، تبنيناه باعتباره» القتل العشوائي للمدنيين».. طيب، في بعض الأحيان عليك أن تستسلم لبعض التعريفات حتى لو كانت معادية، لكن مفهوم الإرهاب قد تغير، فحركة نضال الشعوب ضمن منظمات كالأمم المتحدة معترف بها، نضال الشعوب للتحرر من الأمبريالية اكتسب عبر الزمن قبولاً دولياً.أقف عند وصف الإمبريالية، هل يشمل وصف الإمبريالية عندك، الولايات المتحدة والكتلة الغربية الأوروبية عموماً، مع أنهما مختلفان تماما اليوم؟لا زال الوصف على الكتلة المذكورة يقع تحت وصف الإمبريالية، فرنسا تمنح لنفسها الحق في التدخل عسكرياً وسياسياً في أي مكان ترى فيه خطراً على مصالحها. أليست هذه إمبريالية؟ وحتى ألمانيا التي كان قد مُنع عليها التسلح، عادت تتسلح وتصبو إلى استعادة دورها، وتحاول أن تكون مع الاتحاد الأوروبي مرة، مع الأمريكان مرة، ولوحدها أحياناً. وكذلك بريطانيا، التي هي توأم الإمبريالية الأمريكية. هناك قواعد عسكرية أمريكية في ألمانيا هي التي تساعد في توجيه ضربات للشعوب، هذا هو المقصود بوصف إمبريالية، وأنا أرفض وصفك للإمبريالية باعتباره تعريفاً «ملتبساً»، لا يمكن لنا أن نغيّر كل شيء. هو ليس موسم لتغيير الملابس. هناك إمبرياليات غاشمة مثل الإمبريالية الأمريكية، وهناك امبرياليات محكومة بعض الشيء. شرعة حقوق الإنسان التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية، قد أنسنت العالم بعض الشيء، لكن الصراع بين الإمبرياليات قائم لحد الآن. وهناك الإمبريالية الجديدة في روسيا اليوم، إنها إمبريالية روسية وبوجود مصالحها الهائلة تبدو اليوم مستعدة للدفاع عن هذه المصالح بالسلاح. أليست هذه إمبريالية؟أنت قلت تواً أنه لا يمكن تغيير المصطلحات والتوصيفات كما نغير قمصاننا، ألا يمثل هذا جموداً فكرياً، ألا يتعارض مع مبدأ الديالكتيك على وجه الخصوص؟حسناً، ليس بالمطلق، فتوصيف ديكتاتورية البروليتاريا لم يعد أحد يتبناه اليوم، وبالإجمال يمكنك إلغاء وصفي بأنه «لا يمكن تغيير المصطلحات والتوصيفات كما نغير قمصاننا»، انزعه اقلعه!
أما توصيف الإمبريالية فساري المفعول لحد الآن، بل أن الإمبريالية قد تغوّلت اليوم. الشيوعيون حاليا في متاهة عبر العالم. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي استسلم الشيوعيون للتغيير، ولم يحاول أحد إجراء اعادة تقييم جذري يتناول حتى مصادر الماركسية نفسها. اتفق معك أنّ إعادة التقييم ضرورية، لكن هذه الإعادة لا تعني أنه يمكن تغيير كل شيء، فالخصم الرأسمالي والإمبريالي قد تعاظمت وتفاقمت قوته وتغوّل. العولمة اليوم هي الشكل الجديد من الإمبريالية. ولكننا ندور في نفس الحلقة، هل أنت اليوم مع اليسار في فنزويلا مثلا؟أنا لست مع مادورو في فنزويلا اليوم، رغم أن اليسار عموما يقف معه. في رأيي يمكن المزاوجة بين الديمقراطية والاشتراكية، خاصة في مجتمعات تعيش الوفرة، وتقديم الديمقراطية حتى على الاشتراكية، أما انتاج الديكتاتوريين والزعماء والقادة بشكل دوري بحجة طعن الإمبريالية في أي خاصرة وفي أي مكان، فهذا سوف ينتج ستالينات جديدة، وينتج طغاة جددا، وينتج شعوباً واهمة وجائعة. ومن هذا المنظار يمكن تجديد أفكار اليسار وتجديد هويته، ويمكن توسيع قاعدته.
نحن اليوم نعيش عصر الأمم، أممٌ غنية تشغّل أمماً فقيرة. كل انتاج أوروبا والولايات المتحدة إلى حد أقل يُنتج في بلدان فقيرة مثل فيتنام وبنغلاديش اليوم، هذه هي العولمة.العالم الغني يشغّل العالم الفقير، ويتيح له أن يعيش ويزدهر، فلماذا يتحدث البعض عن صراع الطبقات والامبريالية؟طلما كان الوضع هكذا، العالم الغني كان دائما يشغّل العالم الفقير، اليوم قد تغيرت العبودية، قبل قرن أو قرنين كانت عبودية مباشرة، حالياً تم تجميل العبودية، لكنها تبقى عبودية، فائض القيمة (وصف ماركسي) ما زال موجوداً، ربما هذا هو أقل ما يبقى من الماركسية، فائض القيمة هو أهم من صراع الطبقات، وفي رأيي أن مفهوم صراع الطبقات يمكن التخلي عنه في يوم من الأيام، يمكن بلوغ المجتمعات الاشتراكية ومجتمع الرفاه والتأمين الصحي، عبر الانتخابات والعملية الديمقراطية وليس عن طريق الثورات، لكنّ فائض القيمة يبقى موجودا، ما دام التفاوت في الأجور موجودا بين الأفراد، فإذن فائض القيمة موجود. نحن بحاجة إلى أنسنة هذا العالم الوحشي. والماركسية أحد أوجه وأحد أسلحة الأنسنة لكنها ليست الوحيدة، فهناك وسائل كثيرة غيرها، وحتى الإسلام نفسه يمكن الاعتماد عليه في بعض الموارد، لكنّ الحركات الجهادية الإرهابية تشوه دور الإسلام في الأنسنة وتخلط الأوراق في أحيان كثيرة.كيف تصف المسار البراغماتي للسياسة الدولية اليوم؟البراغماتية جزء من السياسة وليست السياسة كلها، السياسة هي صناعة الحلم، السياسة تحقق الحلم، فقضية الشعب الفلسطيني على سبيل المثال قضية ميؤوس منها بحسابات توازنات القوى المحلية والاقليمية والدولية، لكن صناعة الحلم (السياسة) بإمكانها أن تصنع لهذه القضية أملاً، وتوفر لها إمكانية النجاح. كذلك فإنّ قضايا من قبيل وجود «الكيان الصهيوني» باعتباره أحد الثوابت الدولية – وهي تسميتي- هذا الكيان الراسخ والقار، يمكن أن يهتز خلال عقد أو عقدين أو ثلاثة، يمكن أن تهتز أركانه، وحتى يمكن التشكيك في ثوابت وجوده، لذلك فإنّ أهم ما في السياسة هو صناعة الحلم.هذه يوتوبيا؟اليسار حلم، الاشتراكية حلم، حتى الرأسمالية كانت حلماً، الإنسان تطوّر وتصاعد عبر الحلم. الرأسمالية والاشتراكية تؤمنان بالتقدم، على عكس الفاشية والظلامية اللتان تؤمنان بالعودة إلى الماضي. الرأسمالية والماركسية تؤمنان بالتقدم، وأي سياسات تعمل لتحقيق التقدم، هي سياسات تقدمية. الخص الكلام بالقـول: لا عودة لجيفارا آخر، ولا لماوتسي تونغ آخر، لكن ممكن عودة مانديلا آخر، ومهاتير محمد آخر.
iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > جريدة الصباح الجديد