"حماية المستهلك" تصل إلى المصارف عالمياً

اعتقد كثيرون أن ملاحظة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، امام مسؤولي المصارف اللبنانية حول مراعاة مبادىء حماية المستهلك، قد مرّت لماماً، وان الوقت لا يزال مبكرا للقلق في شأن هذا الملف. لكن المعلومات تؤكد ان فترة السماح المُتاحة بدأت تضيق، لأن عيون المجتمع الدولي مفتوحة على هذا الموضوع.

لا يكاد ينتهي اجتماع لمجموعة العشرين، من دون أن ترِد في توصياته ملاحظات حول حقوق المستهلك، وضرورة صون هذه الحقوق، خصوصاً على مستوى القطاع المالي والمصرفي، على اعتبار انه القطاع الاكثر ابهاما بالنسبة الى هذه القضية.

قبل تشكيل مجموعة العشرين وانضمام المملكة العربية السعودية اليها، كان ملف حماية المستهلك على مستوى القطاع المصرفي العربي شبه مُغيّب. لكن مشاركة الرياض في منتدى الدول العشرين، دفعها الى ايلاء هذا الموضوع اهتماما اضافيا.

وانتقلت العدوى بخجل الى الدول العربية، من دون أن يصل هذا الموضوع الى مستويات يمكن الاعتداد بها للاستنتاج بأن هذه الدول وصلت الى مرحلة الالتزام بمفهوم حماية المستهلك في القطاع المالي والمصرفي وفق الشرائع الدولية، ومن ضمنها شرائع الامم المتحدة.

يرتكز مفهوم حماية المستهلك على مواثيق الامم المتحدة، وهو مفهوم عام لا يتعلق بالقطاع المصرفي، لكنه يشمل مبادىء عامة ينبغي تطبيقها في تعاطي المستهلك مع المصرف. هذا الالتزام يجري تطبيقه في اوروبا والولايات المتحدة الاميركية. وهو في النتيجة، يستند الى الاسئلة التي تعتمدها شريعة الامم المتحدة على الشكل التالي:

- ﻫﻝ ﻳﺗﻡ ﻭﺿﻊ ﻋﻼﻣﺎﺕ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻣﻧﺗﺟﺎﺕ ﺗﺗﺿﻣﻥ ﺍﻟﺧﺻﺎﺋﺹ ؟

- ﻣﺎ ﻫﻭ ﺍﻟﺩﻭﺭ ﺍﻟﺫﻱ ﺗﻠﻌﺑﻪ ﺍﻟﺣﻛﻭﻣﺔ ﻓﻲ ﺗﻘﺩﻳﻡ ﺍﻟﻣﻌﻠﻭﻣﺎﺕ ﺍﻟﺗﻲ ﺗﻬﻡ ﺍﻟﻣﺳﺗﻬﻠﻙ؟ ﻭﻫﻝ ﻣﺎ ﻗﺩﻣﺗﻪ ﺍﻟﺟﻬﺎﺕ ﺍﻟﻣﻌﻧﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺣﻛﻭﻣﺔ ﻛﺎﻑٍ ﻭﻓﻌﺎﻝ ﻭﻣﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺳﺑﻝ ﺍﻟﻛﻔﻳﻠﺔ ﺑﺗﻔﻌﻳﻝ ﺫﻟﻙ ﺍﻟﺩﻭﺭ؟

- ﻫﻝ ﺍﻟﻣﻠﺻﻘﺎﺕ ﻭﺍﻟﺑﻳﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﻣﻭﺟﻭﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻣﻧﺗﺞ ﺗﻠﺗﺯﻡ ﻣﻌﺎﻳﻳﺭ ﺍﻟﺟﻭﺩﺓ؟

- ﻣﺎ ﻫﻭ ﻣﻭﻗﻑ ﺍﻟﺟﻬﺎﺕ ﺍﻟﻣﻌﻧﻳﺔ ﺑﺣﻣﺎﻳﺔ ﺍﻟﻣﺳﺗﻬﻠﻙ ﻣﻥ ﺍﻹﻋﻼﻧﺎﺕ ﺍﻟﻣﺿﻠﻠﺔ ﻭﺍﻟﺧﺎﺩﻋﺔ؟ ﻭﻫﻝ ﻫﻧﺎﻙ ﻋﻘﻭﺑﺎﺕ ﻣﺣﺩﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﺛﻝ ﺗﻠﻙ ﺍﻟﻣﻣﺎﺭﺳﺎﺕ؟

- ﻣﺎ ﻫﻲ ﺣﻘﻳﻘﺔ ﺍﻟﻣﺳﺎﺑﻘﺎﺕ ﻭﺍﻟﻬﺩﺍﻳﺎ ﻭﺍﻟﺳﺣﻭﺑﺎﺕ ﻭﻣﺩﻯ ﺍﺭﺗﺑﺎﻁﻬﺎ ﺑﺷﺭﺍء ﺍﻟﻣﻧﺗﺟﺎﺕ؟ ﻫﻝ ﻫﻲ ﺻﺎﺩﻗﺔ ﺃﻡ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﺟﺭﺩ ﺗﺭﻭﻳﺞ ﻟﻠﻣﻧﺗﺟﺎﺕ ﻓﻘﻁ؟

- ﻫﻝ ﻫﻧﺎﻙ ﻗﻭﺍﻧﻳﻥ ﺗُﻠﺯﻡ ﺍﻟﻣﻧﺗﺟﻳﻥ ﺑﻭﺿﻊ ﺍﻟﻣﻌﻠﻭﻣﺎﺕ ﺍﻟﻣﺗﻌﻠﻘﺔ ﺑﺳﻼﻣﺔ ﻣﻧﺗﺟﺎﺗﻬﻡ؟

انطلاقا من هذه الاسئلة، عملت حكومات الدول الصناعية على تعميم مفهوم حماية المستهلك على قطاعاتها المالية والمصرفية. وهي تعمل اليوم على دفع دول العالم الثالث، الى اعتماد هذه المعايير، بل انها بدأت تحوّل هذا الموضوع الى إلزامي، من خلال التلميح بوقف التعاون مع الدول التي لا تلتزم مصارفها مبادىء حماية المستهلك. انطلاقا من هذا الواقع، يُطرح السؤال اذا ما كانت المصارف اللبنانية تلتزم المواثيق الدولية في هذا الملف؟

الاجابة على السؤال، تقود الى التطرّق الى نقاط كثيرة، من ضمنها الامور التالية:

- الاعلانات المصرفية التي ينبغي ان تراعي الوضوح والشفافية بحيث أن المستهلك يستطيع أن يعرف نوعية الخدمة التي يقترحها المصرف، والفوائد التي سيجنيها، والسعر الذي سيدفعه مقابل هذه الخدمة. ومن هنا، جاءت بعض الحملات المصرفية لتتبنّى هذا المفهوم، مثل حملة "بكل وضوح"، او حملة "معنا ما في بقوسي وغيرها..." ولا شك أن القطاع المصرفي اللبناني هو ريادي وخلاق ويُجيد التعامل البنّاء مع الإعلام والإعلان.

- المنتجات المصرفية التي ينبغي ان تكون بدورها واضحة للزبون، ويجب أن يتولّى موظف متخصّص مهمة شرح تفاصيل المنتج للعميل (المستهلك).

- حماية المستهلك في قطاع القروض، الحسابات المصرفية الجارية والتوفير، توطين الفواتير، دفع الرسوم، العمليات الأخرى وبطاقات المال والقروض والسندات المالية.

ويمكن ايراد نماذج كثيرة، منها على سبيل المثال ان ما يُعرف بفائدة الجر، اي احتساب الفوائد على القروض من دون حسم دوري للمبلغ الذي يتم تسديده، بحيث ترتفع اسعار الفائدة فعليا عمّا هو مُعلن في المنتج، هذا النوع من الاعمال بات ممنوعا في المصارف الاوروبية منذ زمن بعيد. والقوانين لا تسمح باعتماده.

في هذا الاطار، يبرز دور المصرف المركزي في توفير البيئة المناسبة، لحفظ حقوق العملاء من جهة، وكذلك حمايـة المصارف وتجنيبها أي مخاطر ترتبط بنشاطها مثل مخاطر السمعة، وهي تنشأ في حال توافر رأي عام سلبي تجاه المصرف مُقدِّم الخدمة المالية، نتيجة التقصير في مراقبة سلوك الأعمال، وعدم الالتزام بضوابط السلوك المهني المصرفي.

هذا الدور يُتقنه مصرف لبنان وحاكمه، وبات ينسّق مع المراجع الدولية المهتمة بمتابعة هذا الملف من أجل حماية القطاع ودفعه الى اعتماد تدريجي للمواثيق الدولية الخاصة بحماية المستهلك. مع الاشارة الى ان المتابعة الدولية لهذا الملف تدفع الى التفاؤل بأنه سيصل قريبا الى خواتيمه المرجوة.

هذا الوضع يحتاجه المستهلك اللبناني الذي يشعر بأنه العنصر الأضعف في المعادلة عندما يتعاون مع المصارف، وتحتاجه المصارف اللبنانية المتميزة على المستويين العربي والعالمي، والتي تحرص على اتباع المعايير الدولية في كل نشاطاتها، ومن ضمنها معيار حماية المستهلك.

(أنطوان فرح - الجمهورية)

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > Lebanon24