دخل المستشفى بكسر في الحوض وخرج في نعش!



باسكال بطرس«دخل سمير المستشفى إثر إصابته بكسرٍ في الحوض نتيجة تعرّضه لحادث سير، وخضع لعملية في قسم الجراحة حيث أمضى ثلاثة أيام، وخرج محمولاً في نعش»، بحسرةٍ والدموع في عينيها، تروي ريتا قصة زوجها الذي توفي إثر إصابته بمضاعفات جرثومةٍ منتشرة في المستشفى، على رغم نجاح عمليّته.هذه الحادثة هي عيّنة من حالاتٍ كثيرة مماثلة تحصل باستمرار في أكبر وأحدث المستشفيات في لبنان، ما يؤدّي إلى ازدياد عدد هذه القضايا أمام القضاء بشدّة. فما هو تعريف عدوى المستشفيات؟ وهل إنّ حدوثها دلالة على خلل في عمل المؤسسات الصحية والاستهتار بحياة الناس؟ وما هي الإجراءات الواجب اتّخاذها لتفادي وقوع مزيد من الضحايا؟

تُعتَبر عدوى المستشفيات أو Nosocomial infections نوعاً من الالتهابات التي يتعرّض لها المريض داخل المستشفى والتي تتسبّب بها بكتيريا أو جرثومة تعشّش في هذه المستشفيات، وخصوصاً في غرف العمليات والعناية الفائقة، وتنتقل الى المريض في أجهزة التنفّس، أو في "الميل" الذي يدخل في جسمه، أو حتى عبر أجهزة تكييف الهواء. لا شيء يقوى على التخلّص منها نهائياً، لا تعقيم المستشفى ولا عقاقير الأطباء.

في وقتٍ تُحمِّل ريتا المستشفى مسؤولية وفاة زوجها، داعيةً إلى إقفالها وهدمها تفادياً لوقوع مزيدٍ من الضحايا، تخضع كل المستشفيات في لبنان للرقابة من وزارة الصحة، ومن مؤسسة أوسترالية اقتصرت مهمّتها على تصنيف المستشفيات أو ما يسمى بالـ accreditation. وعلى الإثر جهّزت كل المستشفيات بروتوكولات للأدوية وبروتوكولات للجراحة وبروتوكولات للتعقيم وللنظافة، وبروتوكولات للسّجل الطبي.

هذا فضلاً عن تخصيص كل مستشفى لجنةً مؤلّفة من أطباء وممرضين ومسؤولين عن غرف العمليات ومختصّين، للاهتمام بشؤون النظافة في المستشفى وتَجَنُّب التلوث بالبكتريات الموجودة في الوسط الخارجي، وذلك عن طريق التطبيق الصارم للقواعد الصحية في ما يتعلّق بقاعات العمليات والأدوات الطبية والعاملين الطبيّين. في المقابل، يبقى خطر الاصابة بعداوى بكتريات المريض نفسه قائماً.

ولمّا كانت العداوى المستشفوية ناجمة عن المعالجات الباضعة، كان انتشار المصابين بالعداوى، كما هو متوقع، أكثر حدوثاً في قسم العناية الفائقة (23.6 في المئة) مما هو في قسم الجراحة (6.4 في المئة) أو في قسم الأمراض الباطنة (5.8 في المئة). ويصل انتشار هذه العداوى إلى أدنى مستوى في أقسام الولادة.

جورج مراد

وفي هذا الإطار، يلفت جرّاح العظم والعضو المنتخب بالجمعية الفرنسية لجراحة العظم، الدكتور جورج مراد لـ"الجمهورية"، إلى أنّ "العداوى المستشفوية تمثّل ضريبة التقدّم الطبّي. فكلما ازددنا نجاحاً في إنقاذ حياة المرضى، ارتفعت حالات الإصابة بضعف جهاز المناعة لدى بعضهم، وبالتالي هم قد يصبحون أكثر حساسية للإصابة بهذه العداوى"، مشدّداً على أنّنا "نبذل قصارى جهودنا لمحاربة هذه البكتيريا بشكل دائم بغية تقليص نسبتها".

ويرى مراد أنّ "العداوى المستشفوية أكثر تواتراً في المستشفيات الجامعية الكبيرة، منها في المستشفيات الأخرى العامة والخاصة"، مشيراً إلى أنّ "مرضى المستشفيات الجامعية يصابون عادةً بأمراض أكثر خطورة، كما أنهم أكثر حساسية تجاه العداوى ويخضعون لمعالجاتٍ أشدّ خطورة".

ويقول مراد، الذي يعمل في مستشفيات عدة في لبنان، "أجريت نحو 30 ألف عملية، ولا أزال في كلّ مرّة أدخل غرفة العمليات، أخشى التعرّض شخصياً لأي التهاب"، مشيراً الى أنه "يَجري التخطيط اليوم لتأهيل غرف عمليات جديدة في لبنان، بحيث يتم الاستغناء عن فتح الأبواب باليدين وذلك من خلال الضغط بالقدم على كبسة في الأرض، تفادياً لأيّ احتكاكٍ خاطئ قد يعرّض المريض لالتقاط جراثيم أو ميكروبات".

يُذكَر أنّه يجري اليوم طلاء المستشفيات الحديثة بأنواع جديدة من الطلاء تخضع لمواصفات عالمية مضادّة للفيروسات والجراثيم.

ميشال أشقر

ويؤكد الطبيب الأخصائي في امراض المعدة والجهاز الهضمي الدكتور ميشال أشقر لـ"الجمهورية"، أنّ "الأمن الإستشفائي في لبنان في خطر"، ويشدد على أهميّة "اتخاذ الإجراءات الوقائية بحسب المعايير الدولية لمحاربة الالتهابات الجرثومية"، لافتاً إلى أنه "أصبح في الإمكان حالياً الوقاية من العداوى الخارجية المنشأ بالكامل في موقع العمل الجراحي، وذلك بفضل الأنظمة التي وضعت للتعقيم وتطهير الغرف وألبسة العاملين وتهوية أجنحة العمليات". ويضيف: "في المقابل، عندما يكون "مستودع الميكروبات" هو المريض نفسه، فإن تدابير الوقاية تكون بالغة الأهمية والصعوبة في آن، وتستدعي أولاً عدم إعطاء المريض المضادات الحيوية أو الـ anti-biotics القوية من دون التأكّد من نوع البكتيريا، وإلّا فإنّ المضادات الحيوية القوية تزوّد البكتيريا أو الجرثومة مناعة ضدّ هذه المضادات".

وفي ما يتعلّق بالوقاية من حدوث العداوى، ينتقد أشقر التقصير في المستشفيات لجهة التزام التدابير الخاصّة بالوقاية، "فاللجنة المكلّفة بمتابعة شؤون النظافة في المستشفى لا تلعب دورها الفعلي إلّا خلال الفترة التي تخضع فيها كل المستشفيات للتصنيف أو ما يسمى بالـ accreditation فقط، هذا فضلاً عن عدم وجود برنامج وعناصر مسؤولة عن ضبط الجودة ومراقبة العداوى المستشفوية".

نبيل حكيّم

بدوره، يؤكد رئيس الجمعية اللبنانية لجراحة الترميم والتجميل الدكتور نبيل حكيّم لـ"الجمهورية"، أنّ "عدوى المستشفيات حصلت وتحصل في كل المستشفيات من دون استثناء، ولكن في حال تكرّرت هذه الظاهرة ثلاث مرات في مستشفًى واحد وخلال فترة قصيرة، تعلو صرخة المواطنين واحتجاجاتهم، ما يستوجب مراجعة شاملة بحثاً عن السبب الرئيس، وذلك بدءاً من حال المريض نفسه، مروراً بنظافة غرفة العمليات، فماكينات التعقيم والأدوات التي استعملت خلال العملية على أن يكون الاستعمال فردياً لكل أداة. كما تشكل النظافة عاملاً أساسياً، أي غسل اليدين وارتداء الكمّامات"، مشيراً إلى أنّ "غرف العمليات تُقفَل في كل المستشفيات في نهاية كل أسبوع بشكل اعتيادي لتعقيمها، ولهذه الأسباب لا نعمل يومي السبت والأحد، إلّا عند الحالات الطارئة، بحيث تُخصَّص غرفة واحدة لهذه الغاية".

ويؤكد حكيّم أنّ "العدوى الاستشفائية تحصل أيضاً لدى الأشخاص الذين اعتادوا تناول المضادات الحيوية أو الـ anti-biotics "بلا وعي" من دون استشارة طبيب"، لافتاً إلى أنّ "ذلك يؤدي إلى عملية انتقاء للجراثيم ما يحصّنها ضدّ المضادات الحيويّة التي تُعطى للمريض في المستشفى، ما يعرّض هذا الأخير للخطر". ويسأل: "على من تقع المسؤولية في هذه الحال؟ حكماً على المريض الذي تعامل بإهمال مع جسمه الذي قد يغدره في أي لحظة".

ويضيف حكيّم: "صحيح أن الإجراءات والوسائل الوقائية ترفع كلفة الاستشفاء ولكنها أساسية، ولا غنى عنها".

وعن الفرق بين المستشفيات الخاصة والحكومية، يقول: "هناك مستشفيات حكومية أفضل من المستشفيات الخاصة، وبالتالي لا يجوز أن نعمّم، إلا أنّ المشكلة الأساسية في كل المستشفيات تكمن في "الميزانية"، مشدداً على وجوب أن تُخصّص الدولة "ميزانية معيّنة مقبولة للمستشفيات وخصوصاً الحكومية منها، فضلاً عن إعطائها نوعاً من الاستقلالية حتى تتمكن من إتمام واجباتها جيّداً".

سهى عبد الملك

من جهتها، تؤكد المسؤولة عن النظافة الاستشفائية (Hygiene) في مستشفى اوتيل - ديو الجامعي، سهى عبد الملك لـ "الجمهورية"، أنّ "تلك البكتيريا موجودة في معظم مستشفيات العالم، كونها البيئة المناسبة لتكاثر هذا النوع من البكتيريا". وتوضح أنّ "هذه البكتيريا أصبحت تعرَفُ اليوم بـ care associated infections أو العدوى المرتبطة بالرعاية الصحية، وذلك بعدما تخطّت المسألة جدران المستشفى لتشمل المؤسسات الصحية ودور المسنّين والعيادات الطبية وحتى المنزل". وتشرح عبد الملك أنّ "هناك سببين رئيسيّين لهذه العدوى: العدوى الناجمة مباشرةً عن أحد الإجراءات العلاجية، وتلك الناجمة عن البيئة المستشفوية". وتضيف: "تحدث العدوى المستشفوية الناجمة عن الإجراءات العلاجية عند دخول الميكروبات في أحد مواقع الجسم العقيمة عادةً، كما يحصل أثناء عملية جراحية. فتصدّع الدفاعات الطبيعية الأولية ضد العدوى يسمح بدخول الجراثيم إلى الأنسجة أو الأعضاء العميقة في جسم المريض، حيث تستقر وتتكاثر مسبّبة العدوى. أما العدوى المستشفوية الناجمة عن بيئة المستشفى فتشبه أيّ مرضِ مُعدٍ. إذ إنّ الميكروبات الموجودة في البيئة (الماء، الهواء، الغبار، المرضى، العاملون الطبيون المصابون بالعدوى) تنقل العدوى إلى المريض عبر الطريق التّنفّسي أو الهضمي أو بالتماس المباشر". وتشدّد عبد الملك على أنّ "مسؤوليتنا اليوم تقتضي التفتيش عن حالات العدوى بشكل منهجي لإحصائها ومراقبتها"، مضيفة: "في كثير من الأحيان يمكن تجنّب عدوى موضع العمل الجراحي، وذلك بمنع دخول البكتريات الخارجية المنشأ عن طريق الأدوات الجراحية، وهي المبضع في هذه الحال، إلّا أنه يمكن القضاء على هذه البكتريات عن طريق تطبيق صارم للقواعد الصحية وتعقيم اليدين وكل الأدوات التي تستعمل خلال العملية. أمّا عندما يتطلّب الإجراء الجراحي شقّ الجلد، فيمكن القضاء على النبيت البكتيري الجلدي عن طريق تنظيف الجلد بعناية، لمنع تسرّب الجراثيم الى داخل الجرح. وفي المقابل، إذا كانت العملية تتطلب بضع الأمعاء، فلا يمكن تجنب التلوث، إذ إنه لا يمكننا القضاء على النبيت البكتيري المعوي. وبضع الأمعاء يسهل انتقال الجراثيم المعوية إلى الوسط المحيط. في هذه الحالة، تعطى المضادات الحيوية للوقاية من العداوى".

وتلفت عبد الملك إلى أنّ العدوى الأكثر تواتراً هي "العداوى البولية التي تمثل 40 في المئة من مجمل العداوى المستشفوية. يلي ذلك العداوى التالية للمداخلات الجراحية والتي تصيب العضو المبضوع وتدعى عداوى موقع العمل الجراحي، ومن ثم تأتي الآفات الرئوية. أما الجراثيم الأكثر تسبباً للعداوى فهي الإمعائيات، وهي الجراثيم التي تعيش في الأمعاء وفي مقدمها العصيات القولونية (الإشريكيات القولونية) Eschericia coli المسؤولة عن أكثر من 22 في المئة من العداوى المستشفوية".

وتؤكد عبد الملك أن "أحداً لا يموت "بالغلط"، بل نتيجة مضاعفات تحصل خلال العلمية. فالمشكلة في لبنان تكمن في أننا لا نشرح للمريض أخطار العملية التي سيخضع لها، حتى لا تفاجَأ العائلة في حال طرأ أي مشكلة خلال العملية، على عكس ما يحصل في فرنسا وأميركا حيث يُجبَر الطبيب على إطلاع المريض على المخاطر كافة التي قد يواجهها خلال العملية، لرفع المسؤولية عنه في حال حصلت مضاعفات".

تجدر الإشارة إلى أنّ الجراثيم تشكّل أكثر من 90 في المئة من الميكروبات المسبّبة للعداوى المستشفوية، في حين تكون الفطور هي السبب في 6 في المئة من الحالات. أما الڤيروسات فنادراً ما تكون موضع اتهام مع أن دورها فعّال في بعض العداوى التنفسية (الزكام، التهاب البلعوم الأنفي، التهاب القصبات) بسبب صعوبة الكشف عنها. وفي المقابل لا تسبّب الطفيليات عدوى مستشفوية.

ثماني في المئة من مرضى لبنان الذين يصابون بالجرثومة يموتون، والنسبة هي نفسها في الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن هناك يعيدون صيانة غرف العمليات أو يهدمون المستشفيات ويعيدون بناءها بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على تأسيسها، بهدف القضاء على الجراثيم والميكروبات الموجودة هناك، فلمَ لا يتّبع القيّمون على المستشفيات في لبنان التدابير عينها حفاظاً على سلامة المواطنين؟ 
iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > Lebanon24