موسم الفلتان.. الأمني

يستفيق اللبنانيون وينامون بقلق، كما لو أنهم يتجنبون أن يدوسوا على عبوة ناسفة غير مرئية. من لديه عمل، يتوجه إلى مكانه بقلق. ينتظرون الأخبار العاجلة ليحددوا خطة اليوم، بقلق. ولم يعد السؤال عن الغد فحسب: هاجسهم الأساس، بعد استقالة الحكومة أخيراً، هو أمن اليوم.


ثمة من يخاف فتنة تستيقظ من نومها بغتة، سواء لأسباب إقليمية مباشرة، أو نتيجة خلاف طائفي فردي ربما يبدأ بشتيمة عابرة. وثمة من خبر الفلتان الأمني أثناء وجود حكومة، فتملكه ذعرٌ غير إرادي ما إن استقالت.


وسط ذلك، وبعيداً من الخلافات السياسية هنا وهناك، يرتفع معدّل الجرائم في لبنان يوماً تلو يوم. ولا ينكر ضباط في الأمن، أن «هيبة الدولة تلاشت. صورة الدولة القوية التي من شأنها ردع المجرمين، تتجه إلى الانحدار شيئاً فشيئاً. والمجرم في بلادنا يعرف في السياسة ويراقب أوضاعها. ويعرف أيضاً أنه لا يوجد شرطي واحد لكل مواطن. الآن فرصته الذهبية».


يحاول الضباط المعنيون الابتعاد، إعلامياً، عن ربط «ارتفاع معدّل الجرائم، بالنزوح السوري الكثيف إلى لبنان». يقولون إن «منفذي الجرائم، من سرقة سيارات وعمليات سلب وسرقات موصوفة، هم مزيج وخليط، سواء كان منفذاً أم ضحية. وغالبية الجرائم تنفذ في مناطق محافظة جبل لبنان».


وفيما يبدو غريباً أن عمليات الخطف مقابل فدية مالية، قد «تجمدت» حالياً مقارنة بالفورة الأخيرة، غير أن المهنة البديلة عادت إلى رأس القائمة: سلب الأشخاص على الطرق.


تشير الوقائع الرسمية لدى قوى الأمن الداخلي، إلى ارتفاع عمليات سلب الأشخاص، من معدّل 98 عملية في كل شهر من العام الماضي، إلى 143 كل شهر في العام الحالي. وهو أمر تردّه مصادر أمنية إلى «ازدياد عدد النازحين في لبنان، والذين يعتبرهم السالبون هدفاً سهلاً على الطرق. علماً أن بعض النازحين يتورطون في تنفيذ عمليات مماثلة، لكنهم قلّة مقارنة باللبنانيين».


كذلك، ارتفع معدّل سرقة السيارات، شهرياً، من 98 سيارة في العام 2012، إلى 149 سيارة في شباط الماضي. أما السرقات الموصوفة، مثل سرقة البيوت، فقد ارتفعت أيضاً من 210 عملية شهرياً، إلى 222، بينما انخفــضت عمليات سلب السيارات من معدّل 7 عملــيات في الشهر، إلى 4 عمليات.


وفيما انخفض معدّل الانتحار، شهرياً، من وقوع 9 حالات إلى 7 أخيراً، فقد تضاعفت نسبة محاولة الانتحار من 5 مرات في الشهر، إلى 10 في أشهر العام الحالي. والأسباب، في الحالات العشر، اقتصادية!


في المقابل، بدا واضحاً انخفاض عمليات النشل، التي سجلت في العام الماضي وقوع نحو 94 عملية شهرياً، بينما بلغت في أشهر العام الحالي 75 عملية. وتقول المصادر الأمنية إن «السبب الأساس في انخفاضها، يعود إلى الحواجز الأمنية التي تطارد سائقي الدراجات النارية».


وسجلت الأرقام الرسمية انخفاض أعداد القتلى نتيجة الجرائم الفردية، من معدّل 16 قتيلاً في أشهر العام الماضي، إلى 11 قتيلاً في أشهر العام الحالي. أما محاضر الاتجار بالمخدرات، فقد ارتفعت من 59 محضراً إلى 81. ومثلها، ارتفعت أيضاً نسبة محاضر تعاطي المخدرات، من 97 إلى 114.



تطوّر إجرامي

لم يعد اللجوء إلى انتحال صفة أمنية، يهدف إلى سلب الأشخاص كما جرت العادة الشهيرة. إذ كان السالبون، عادة، يقتحمون ورش عمّال في أبنية قيد الإنشاء، منتحلين صفة أمنية، ثم ينتزعون منهم كل ما يملكون من أموال نقدية.


الأهداف لم تكن محصورة في ورش البناء فحسب. بل كان السالبون يعترضون طرق أشخاص غير لبنانيين، ويدّعون أنهم من جهاز أمني، ويريدون التدقيق بالأوراق الثبوتية. وما إن يخرج المرء المحفظة، حتى يستولوا عليها ويلوذوا بالفرار.


أما اليوم، فقد استفاد كثيرون من فكرة انتحال صفة أمنية، لأهداف غير مالية. ومن أبرز الأمثلة وأحدثها، قصة جرت مع ط.أ. وج.ط. قبل أيام، عندما اعترض طريقهما مجهولون يستقلون سيارتين عند طريق الكحالة.


ترجل المجهولون من السيارتين، مدججين برشاشات من نوع «كلاشنكوف»، وعرّفوا عن أنفسهم بأنهم من جهاز عسكري. لم يأخذوا أموالاً من الرجلين، بل وضعوا الأسلحة في رأسيهما، ثم راحوا يكسّرون السيارة، ولاذوا بالفرار.


تعكس هذه الحادثة، وغيرها من عمليات انتحال الصفة الأمنية، حالة من الذعر، تدل على أن المجرمين يتمادون في استحداث سبل التهديد والسرقة، كما لو أنهم يعرفون سلفاً أن الأجهزة الأمنية لن تطالهم.
وبينما دخل منفذو عمليات الخطف مقابل فدية مالية في استراحة مؤقتة، غير أن عمليات خطف جديدة من نوعها، و«خفيفة»، بدأت تظهر تباعاً، وآخرها حدث قبل ستة أيام ولم يُعلن عنها إعلامياً.


كان ج.م.د. (مواليد 1959) في موقف سيارات سوق الخضار الشهير، في المدينة الرياضية، عندما أقدم ثلاثة أشخاص يستقلون سيارة ذات زجاج داكن، على اختطافه واحتجازه في السيارة. ج. يملك محلاً للخضار في السوق، وخاطفوه يعرفون ذلك.


لكن الغريب في العملية، أن الخاطفين لم يطلبوا فدية من عائلة المخطوف كما جرت العادة. وذلك بسبب اعتمادهم أسلوباً حديثاً، وهو الخطف المؤقت: احتجزوه لمدة ساعة كاملة في السيارة، ثم استطاع أن يدبّر لهم مبلغاً قيمته ألف دولار. أخذوا المال، ثم أنزلوه في حيّ شعبي في منطقة الرحاب، ولم يتعرضوا له بأي أذى جسدي.


وبينما اعتاد منفذو عمليات سرقة المنازل، تنفيذ سرقاتهم وفق مجموعات، يبدو أن التراخي الأمني بدأ يعكس ظله حتى في أساليب هذه السرقات. يقول ضباط معنيون إن عمليات سرقات المنازل لم تعد حكراً على عصابات منظمة، بل صار ينفذها شخص واحد فقط!


ويستشهد الضابط بعملية سرقة استهدفت منزلين في خلدة أخيراً، نفذها شخص واحد في الوقت ذاته. وتمكن «المجهول» من سرقة مجوهرات وعطورات بقيمة 18 ألف دولار من المنزل الأول الذي يملكه ف.ي.، ومحتويات بقيمة 5 آلاف دولار من المنزل الثاني.


لكن السؤال الأساس، اليوم: كيف تنظر الأجهزة الأمنية إلى هذه العمليات الفردية، سواء السلب أو السرقة أو غيرهما، فيما الخوف في البلد يبدو سياسياً - أمنياً بامتياز؟ هل ثمة خطة جدية، فعلية، تهدف إلى مكافحة الجريمة بموازاة الاستنفار الأمني - السياسي؟


الجواب، لدى الأجهزة الأمنية، ليس جديداً: «نحن جاهزون». لكن الوقائع تروي قصصاً مغايرة، وهي آخذة في الارتفاع، بينما القلق مستمر هنا وهناك.

(جعفر العطار - السفير)

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > Lebanon24