نزاع ضريبي مع شركة «ميدل إيست»

قبل أسابيع قليلة نشبت أزمة بين وزارة المال وشركة «ميدل إيست». الوزارة تطالبها بدفع ضرائب مستحقة عليها. الشركة تردّ بوقف إصدار وبيع تذاكر السفر للدولة اللبنانية. تكشف الأزمة عن هدر وفساد في إدارات الدولة وعن حصرية جديدة ممنوحة للشركة؛ فإدارات الدولة مجبرة على شراء تذاكر السفر منها حصراً.

قبل نحو 5 سنوات، عكفت دائرة كبار المكلّفين في مديرية الواردات على دراسة ملف شركة طيران الشرق الأوسط «ميدل إيست». دراسة الملف في هذه الحالة، هي إجراء روتيني يطاول كل الشركات بصورة دورية. بنتيجة الدراسة، تبيّن لمديرية الواردات أن شركة «ميدل إيست» لم تسدد الضرائب المستحقة عليها بموجب المادتين 41 و42 من قانون ضريبة الدخل، وهي ضريبة غير المقيمين. هذه الضريبة لا تطاول الأرباح التي تُعرف بأنها ضريبة الباب الأول، بل كل أنواع الدخل والفوائد المصرفية التي دفعتها الشركة خارج لبنان.


وبحسب ملخص الدراسة، فإنه يجب على الشركة أن تسدد الضريبة المفروضة على الفوائد المصرفية المدفوعة للمصارف الأجنبية في البلدان التي لا يوجد معها اتفاقات لمنع الازدواج الضريبي عن عامي 2005 و2006. خلال هذه الفترة وحدها تراكم مبلغ على الشركة يقدّر بنحو 1.2 مليار ليرة، ومع احتساب الغرامات، فإن مجموع ما يستحق على «ميدل إيست» يبلغ ملياري ليرة. والتكليف الضريبي لا يقتصر على الفوائد المصرفية؛ فالدراسة تشير إلى ضرائب أخرى مستحقة على الشركة، مثل المنافع المدفوعة للطيارين والمضيفين خارج لبنان، باعتبارها ضريبة على الرواتب والأجور، وتكليفها أيضاً بضريبة على تذاكر السفر المجانية التي تصدرها الشركة، فضلاً عن ضرورة سداد المبالغ المستحقة على عمليات استئجار الطائرات وإعادة تأجيرها بمعدل 7.5%.

في الواقع، إن المادة 41 تشير إلى أن «المبالغ التي يتقاضاها في لبنان أشخاص أو شركات أو مؤسسات ليس لهم محل لمزاولة المهنة، عن أعمال خاضعة لهذه الضريبة وكذلك الأرباح والإيرادات والحاصلات التي يجنونها في لبنان، تكلف وفقاً لأحكام المادتين التاليتين». وتحدد المادة 42 كيفية احتساب المبالغ الخاضعة للضريبة على أساس "15% من الواردات الأصلية، و50% منها إذا كانت لها صفة التعويض عن خدمة وتقتطع الضريبة وتستوفى بمعدل 15%".


ووفق تفسير ديوان المحاسبة لهذه المواد والهدف منها (في رأي استشاري صادر في عام 2011)، إن «تطبيق المادة 41 مشروط بأن تكون المبالغ التي يتقاضاها في لبنان أشخاص أو شركات أو مؤسّسات ليس لهم محل لمزاولة المهنة ناتجة من أعمال خاضعة أصلاً للضريبة، بمعنى أن تكون الايفاءات التي حصلت في لبنان خاضعة للضريبة إما لأن النشاط الذي أحدث الدين الموفى استُخدم في لبنان أو حُصّل نتيجة جهد بُذل في لبنان، وفي هذه الحالة يجب على المدين الذي يدفع هذه الأموال الخاضعة للتكليف وفقاً للمادة 41 أن يصرّح عنها مع تصريحه السنوي وفقاً للمادة 43 بعدما يقتطع منها الضريبة المحسوبة وفقاً للمادة 42».
رغم ذلك، رأت لجنة الاعتراضات في وزارة المال أن شركة طيران الشرق الأوسط معفاة من الضريبة استناداً إلى المادة الخامسة من قانون ضريبة الدخل، وقررت وقف العمل بالتكليف المبني على أساس المواد 41 و42. وقررت هذه اللجنة أيضاً اعتبار المنافع المدفوعة للطيارين والمضيفين والتذاكر المجانية هي من النفقات العادية، التي تدفع لتسيير العمل وليست منافع يجب تكليفها بضريبة الرواتب والأجور... وقد تبنّى مجلس شورى الدولة هذا الرأي وأصدر قراراً أبطل فيه التكليف، ما دفع مديرية الواردات في وزارة المال إلى اتخاذ خطوة تقضي بطلب إعادة المحاكمة أمام مجلس شورى الدولة.


هذا الملف ليس الوحيد من نوعه أمام الإدارة الضريبية. ففي السابق تعرّض مرفأ بيروت لحالة شبيهة وسدّد ما يستحق عليه، ثم تبيّن أن أهراءات القمح هي أيضاً تتهرّب من هذه الضريبة... لكن في حالة شركة «ميدل إيست»، يعتقد بعض القانونيين أن قرار مجلس الشورى هو «مستغرب»؛ لأن الإعفاء اللاحق بالشركة هو إعفاء من ضريبة الباب الأول، وهي ضريبة على الأرباح، أما في حالة مطالبة الشركة بضريبتي الباب الثاني والثالث «فهي ضرائب على الفوائد والدخل لا تجب على شركة طيران الشرق الأوسط نفسها، لكن عليها أن تقتطعها وتحصّلها لحساب الخزينة العامة. وهذه الضرائب تطبّق منذ السبعينيات وتسدّدها كل الشركات الأخرى العاملة في مجال الطيران، ولا يمكن إعفاء أي شركة منها سواء كانت قطاعاً خاصاً أو كانت بمثابة شركة عامة كشركة طيران الشرق الأوسط»، يقول مصدر في وزارة المال. عند هذا الحدّ ينحصر دور الـ«ميدل إيست» في تجميع هذه الضريبة «ولا يمكن أن يعذر أحد بجهله القانون، وخصوصاً أن شركة مثل ميدل إيست مطلعة ولديها قانونيون ومحاسبون وهي موجودة في السوق منذ فترة طويلة».


إزاء هذا الوضع، ردّت إدارة شركة طيران الشرق الأوسط بوقف إصدار تذاكر سفر لإدارات الدولة كلها. وبحسب رئيس مجلس الإدارة ــ المدير العام محمد الحوت، فإن الموضوع الضريبي «يُعالج مع رئيس الحكومة ومع وزارة المال. الخبر الصحيح أننا أوقفنا إصدار تذاكر السفر للدولة اللبنانية، وقد أوقفنا سابقاً الحقائب الديبلوماسية، لكننا أعدنا نقلها بناءً على طلب رئيس الحكومة، رغم أن الدولة لا تسدد أكلاف تذاكر السفر للشركة».


الجدير بالإشارة أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي كان قد أصدر تعميماً يحصر بموجبه سفر موظفي الدولة والمسؤولين فيها على متن شركة طيران الشرق الأوسط. تعميم ميقاتي أعطى حصّة سوقية واسعة لهذه الشركة، ومنحها أرباحاً حصرية هائلة، وخصوصاً بعدما اشتكى عدد من موظفي الإدارة من أن أسعار التذاكر المبيعة للإدارات العامة تصل إلى 3 أضعاف الأسعار التي تقدّمها الشركة نفسها لغير زبائن. هل يعلم أحد أن غالبية مستحقات الشركة على الدولة هي مبالغ ناتجة من أسعار التذاكر الصادرة لوزارة الخارجية؟ اللافت في الأمر، وفق مصادر وزارة المال، أن وزارة الخارجية اشترت عدداً كبيراً من هذه التذاكر من دون اعتمادات.

(محمد وهبة - الأخبار)

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > Lebanon24