90% من العمّال في لبنان أجانب

ليس جديداً القول إن معظم مشاريع الأشغال العامة والبناء تشوبها الشوائب، إن من ناحية المواصفات، أو التنفيذ، أو كلفتها الباهظة على الاقتصاد الوطني.

ولعلّ قصة إبريق الزيت باتت معروفة: لا يكاد ينتهي إنجاز الطريق أو الجسر في أيّ منطقة، حتى تتغير معالمه بعد فترة قصيرة، إذ تنتشر عليه الحفر و”خنادق” إدارات الوزارات التي تنتبه متأخرة لضرورة مدّ شبكاتها من كهرباء واتصالات ومياه ومجاري صرف صحي وغيرها، فضلا عن “الزفت” الذي يقبع من مكانه بعد الشتوة الأولى.

وتمتد معاناة المواطن، لتشمل ضياع ساعات من الوقت، لعدم اكتمال المشاريع، ومنها ما يبقى سنوات وسنوات، من دون أن يلمس أيّ تقدم في المشروع.

ولا يقتصر هذا المشهد على الطرق والجسور، بل يمكن تعميمه على مشاريع أبنية القطاع العام، من وزارات وإدارات ومؤسسات عامة.

أمام هذا الوضع، من يتحمل المسؤولية؟ وأين المحاسبة؟

هنا تتقاذف التهم بين الوزراء المعنيين والمقاولين، وكل طرف يسعى إلى تسديد الكرة في مرمى الآخر، ليجد المواطن نفسه يدفع حياته ثمناً لهذا الوضع، ويهدر وقته على الطرق يومياً، ويتكبد إصلاح سيارته بعد نزولها في أحد “الخنادق”، والأهم ما يدفعه من ضرائب ورسوم تذهب في معظمها، على المستشارين، والسماسرة، والمحسوبين على هذا الوزير أو ذاك.

أمس، استضافت “السفير” ضمن سلسلة لقاءاتها مع القطاعات الإنتاجية المختلفة، “نقابة مقاولي الأشغال العامة والبناء اللبنانية”، ممثلة برئيسها الشيخ فؤاد الخازن، ونائب الرئيس مارون حلو، وعضو النقابة عبدو سكرية، لتطرح أمامهم أسئلة المواطنين وهمومهم اليومية على الطرق العامة، وهل من إمكانية لتقديم مراجعة نقدية للقطاع، وما هي السبل الممكنة لمعالجة هذه المشاكل المتفاقمة؟

المطلوب ذهنية القطاع الخاص

الجملة الأولى التي تكررت طوال اللقاء، هي تأكيد وفد النقابة، أن “القطاع الخاص أنجح من القطاع العام”، والمطلوب من الدولة، هو أن “تتعاطى مع مقاولي الأشغال العامة والبناء، بذهنية القطاع الخاص، كما كانت تتعاطى معهم في السابق، من خلال مجلس الإنماء والاعمار”.

وبعدما يقدم الخازن سردا تاريخيا موجزا عن القطاع، يرى أنه “يفترض أن تكون الجهة المسؤولة عن الأشغال العامة، مجلس الإنماء والاعمار، بعد إلغاء وزارة التصميم”.

وإذ يعتبر “اليوم تغير كل شيء”، يقول: “لم نعد نعرف بدقة وشفافية، من ينفذ المشاريع من سدود وطرق وصيانة..”.

أما حلو فيؤكد أن قطاع المقاولات والهندسة، شهد تطورا لافتا للانتباه في السنوات الأخيرة، وعلى المستويات كافة، مشيرا إلى أنه في السابق كان يدير المشروع متعهد ومهندس، أما اليوم، فيحتاج إلى عشرات المهندسين بسبب تنوع الاختصاصات. ويستدرك ليقول: “لكن المستغرب أن المتعهدين والمهندسين اللبنانيين في الخارج، يعودون إلى البلد بخبرة أعلى وأشمل ممن يبقون هنا، بسبب احتكاكهم بخبراء من دول أخرى، وكثرة الأعمال وتنوع المهمات التي ينجزونها أو يتابعونها”، مشيراً في هذا الخصوص، إلى أنه في السابق بلغ عدد اللبنانيين الذي يعملون في قطاع المقاولات في دول الخليج، 500 ألف لبناني”.

وفيما كان متوقعاً أن يحمّل رئيس النقابة مسؤولية التأخير في تنفيذ المشاريع لتأخّر الحكومة في سداد الفواتير، لا ينفي أن “هناك تلزيمات تتم بوسائل غير سليمة”.

والخازن نفسه الساعي مع أعضاء نقابته إلى تصحيح صورة “المقاول”، يلحظ أن “ما يهمّ المواطن هو الوصول إلى عمله في أسرع وقت ممكن ولا يبقى ثلاث ساعات على الطريق، كما يهمه ألا تتضرر سيارته”.

ولا يتوقف الخازن هنا، بل يسهب في الحديث عن الكلفة الباهظة في هدر الوقت والمال، ويضرب مثلاً على ذلك، مدخل بيروت الشمالي، و”طريق كسروان”، إذ بعد شهر من وضع الزفت، تركت حلقات مجاري الصرف المرتفعة حوالي 10 سنتمترات عن مستوى الأرض، من دون معالجة، وكانت أولى الأضرار من هذا الوضع، سيارة الوزير زياد بارود.

خلافات.. ومصالح خاصة

لا شك بأن التنسيق شبه غائب بين الإدارات العامة و”مجلس الإنماء والاعمار” أو أي جهة مسؤولة عن تنفيذ المشاريع، كما لا يمكن تجاهل الخلافات المستحكمة بين بعض الوزراء والمديرين العامين، فوفق الخازن، هناك “ضرورة أن يكون هناك تنسيق كلّي بين الوزير والمدير العام، لا أن تكون لدى الوزير مصالح خاصة”.

وبعد أن يشكو وفد النقابة من “عدم الإنصاف”، و”عدم وجود خطة بين الجهات المعنية، تربط هذه العناصر بعضها ببعض”، يؤكدون أنه “في ظل غياب الرقابة، ترتفع إمكانية التلاعب بالمواصفات”، مشددين على أهمية أن “تكون الرقابة من جهة ثالثة”.

ويعلق الخازن بشيء من السخرية: “المقاول يكون آدمياً إذا كان يتعاطى مع أوادم”.

النقابة تضم، وفق سكرية، حوالي 3400 شركة، منها 400 شركة فاعلة وناشطة، والسبب هو إفلاس مئات الشركات، أو وفاة أصحابها، أو انتقالها للعمل في الخارج.

200 مليون دولار للمتعهدين

وإذ يكشف الخازن أن وزارة المال حوّلت أخيراً، 200 مليون دولار للمتعهدين، يوضح سكرية أن “مستحقات المتعهدين الباقية في ذمة الدولة، تبلغ حوالي 200 مليون دولار”، و”القسم الأكبر منها تراكم في السنتين الأخيرتين، فضلا عن أموال لم تدفع منذ التسعينيات”.

ويؤكد الخازن “نحن جزء من الهيئات الاقتصادية، ولنا دور فاعل ليس مع الهيئات وحسب، بل مع جميع القطاعات، لطبيعة المشاريع التي ننفذها”.

ولعل الإشكال الأبرز، الذي يعاني منه المتعهدون حالياً، إضافة إلى تأخير المستحقات، هو تأزم الوضع السوري، ما يؤثر سلبا على العمّال، إذ من حوالي 400 ألف عامل يعملون في القطاع، هناك 90 في المئة منهم من سوريا.

وهناك قضايا أخرى تهم النقابة، يشير إليها الخازن وسكرية وحلو، منها مطالب أساسية تتعلق بمشروع مرسوم تحديث دفاتر الشروط والأحكام العام وتوحيدها، ومشروع مرسوم تصنيف المتعهدين ومكاتب الدروس، ووضعهما موضع التطبيق على أن تكون موحدة في جميع الإدارات، وإنشاء هيئة دائمة لتخطيط الأعمال والمشاريع بين الإدارات وتنسيقها، تشارك فيها نقابتا المقاولين والمهندسين، ومتابعة تنظيم عمل الكسارات والمقالع وقوننته، ما يؤمن ثبات الأسعار، وتوفير الكمية والنوعية من المواد المستخرجة، والمحافظة على البيئة والسلامة العامة والتراث.

نوعان من دفتر الشروط

ويوضح سكرية أن “هناك نوعين من دفتر الشروط، الأول مترجم عن الفرنسية في العام 1944، والآخر معتمد من قبل مجلس الإنماء والاعمار، مقتبس من عقد الـ”فيدك”، ويراجع باستمرار، ويوازي بين حقوق رب العمل (الإدارات العامة) والمتعهد في عقد المقاولات، ويجعل من الاستشاري حكما بدلا من أن يكون فريقا إلى جانب رب العمل. ويتوافق مضمونه مع مضمون مشروع العقد المتوازن لأعمال المقاولات، الذي وافق مجلس وزراء الإسكان العرب على تطبيقه على صعيد الجامعة العربية”.

وبعدما يرى سكرية أن الاهتراء طال 95 في المئة من الإدارات، يشير إلى أن ما يحدث في بعض الوزارات المعنية، عمليات تلزيم لا مناقصات، بحيث يبدأ الوزير بعد موافقة مجلس الوزراء، باستدراج العروض، ثم يلزّم المشاريع لـ”مقاولي الشنطة”، وهناك من الوزراء من يركز كل المشاريع في منطقة معنية لمصلحة خاصة وانتخابية.

ويفيد سكرية بأن “كل وزير يضع دفتر شروطه، ويحدد المقاسات على مستوى معين، ما يؤدي إلى جعل المواصفات أدنى مما هو مطلوب، كما يتسبب ذلك بهدر الوقت والمال”.

وبعدما يشير حلو إلى أن “نصف المهندسين اللبنانيين، أصبحوا في الخارج”، يركّز على نقاط التطور التي شهدها القطاع، منها ما يتعلق بعقد “فيدك”، ومنها ما له علاقة بالتزام معايير “ايزو”، والسلامة العامة على الورش ما بعد البناء، بحيث بات هناك خريطة تفصيلية للموقع ما يسهل الصيانة.

23% من الناتج المحلي

يؤدي قطاع المقاولات دورا أساسيا في الاقتصاد، إذ تبلغ نسبته 23 في المئة من الناتج المحلي. ويوضح وفد النقابة أن “نسبة ربح المقاول الجدّي من مجمل المشروع، تتراوح بين 3 و4 في المئة”.

ويشدد كل من الخازن وحلو وسكرية، على ضرورة وضع ضوابط لمنع هيمنة السياسيين على المشاريع، وأنه من المجدي تلزيم المتعهد صيانة المشروع الذي ينفذه لخمس سنوات، لأن ذلك يحفزه على إتقان الأشغال وتلافي أي إهمال في المشروع، وأن تكون هناك إدارة حصرية مختصة بالمشاريع ومتابعتها، ويعتقدون أن “أكثر مؤسسات الدولة جدّية في هذا الخصوص، هي مؤسسة مجلس الإنماء والاعمار”.

وإذ يرى حلو أن “صورة المقاول مشوّهة”، يؤكد أن “تعاطي المقاول بجدية أكبر، يلزمه في المقابل دولة جدية، لكنه يتعاطى مع جهات غير جدية”.

يخلص وفد “نقابة المقاولين” للقول: “لم يعد لنا مصلحة في العمل مع القطاع العام، فالموضوع لم يعد يحتمل”، مؤكدين أن “القطاع الخاص ناجح لأنه يتعاطى بدفتر شروط واضح وشفاف، ووفق تصنيف جدي، ويعتمد الخبرة.. أما القطاع العام ففاشل”.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > يا لبنان
90% من العمّال في لبنان أجانب,