روسيا مقابل أمريكا: لمن الغلبة في النهاية؟

خـاص: بقلم رشا ابراهيم

فيما يبدو وكأنه تغيير في المناخ الدولي السائد , نتيجة لظهور بداية للتقارب الروسي – الأمريكي على العديد من القضايا كان أولها الحرب

في سوريا وتوسعت لتشمل تغيير أنظمة حكم كانت موالية للولايات المتحدة الأمريكية , فهذا ما تريد إظهاره أمريكا على الملأ على أنها تستغني عن دعم أنظمة الإخوان المسلمين التي انتشرت في المنطقة واستلمت الحكم في أكثر من بلد . وذلك بعد تورطها وانكشافها كداعم للوهابيين والسلفيين في عدة دول وفشل الرهان على تسليم الإسلاميين المتشددين للحكم وبالتالي إظهار أمريكا بموقف الخاسر الأكبر.

فما يجري حالياً في مصر و تسارع الأحداث فيها يشير إلى مخطط مسبق لما يحدث , المجلس العسكري المصري دعم مظاهرات 30 حزيران ضد مرسي وبسرعة أعلن عدة وزراء تقديم استقالتهم من الحكومة , في دلائل على انتصار ثورة الشعب المصري مرة أخرى وقدرته على تغيير أي نظام حكم يتوالى عليه.

ولكن هذا الشعب العظيم لم يعلم أنه جزء من لعبة كبيرة تتضارب فيها المصالح والأدوار , حيث إن الثورة المصرية الأولى ضد نظام مبارك وضعت كنموذج راقي للثورات على الساحة , حتى إن الإعلام الغربي تناقل تقديره لهذه الثورة السلمية التي أسقطت نظام ديكتاتوري , وهذا هو الغرض من استغلال شكل ومظهر هذه الثورة , فالشعب يملك الإرادة هنا وبوسائل سلمية بحتة , هذا ما أظهرته البروباغندا الإعلامية على مدار أيام الثورة مظاهرات حضارية في ميدان التحرير انتهت بانتصار قوة الشعب على المعتدي والظالم , هذه الثورة المنمّقة والملمّعة في سراديب النظام الأمريكي وجحافله الإعلامية . فلا بد للشعوب الأخرى في المنطقة من إقرار إرادتها القوية كما فعل الشعب المصري وبطريقة سلسة سلمية وبالتالي تنتقل شرارة الفوضى إلى كافة البلدان الواقعة على خارطة الشرق الأوسط الجديد الأمريكي.

أما السياسة الخارجية الروسية فهي تنظر إلى أحداث الساحة العربية المتسارعة والمتواترة بقلق , حيث تعتبر أن التحولات الحالية هي جزء من اتجاه طويل الأمد، قد يستغرق عقودًا، يأتي بالقوى الإسلامية إلى السلطة في دائرة يتجاوز مداها الشرق الأوسط. وهذا هو الدافع الأساسي لعودة روسيا للشرق الأوسط، وذلك خشية تأثير المد الإسلامي على وضع المسلمين داخل روسيا، خاصة وأن هناك صلات بين القوى الإسلامية في الشيشان وجماعات إسلامية في الشرق الأوسط، ومنها الإخوان المسلمون.

كما صرحت الجهات الروسية مراراً أنّ مسارات التغيير من خلال الإصلاح أو الهبات الشعبية – على عكس سيناريو التغيير من خلال الحرب الأهلية – يمكن أن تؤدي على المدى الطويل إلى نوع من الاستقرار على المستويات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، وذلك بسبب الشرعية التي يضفيها المسار الديمقراطي على النظام السياسي، ونتيجة للموازنة بين متطلبات الأغلبية من الشعب وسياسات النظام. ومن المنتظر أن تكون البنية السياسية الجديدة لهذه المجتمعات أكثر اندماجاً مع هويتها الحضارية، وسوف يوفر ذلك بعض الاستقرار في المرحلة الانتقالية، ولكنه استقرار نسبي هش.

وهذا جوهر الاختلاف بين النظرة الروسية والأمريكية لما يحدث على الساحة العربية , فالخارجية الروسية ترى أن النتائج النهائية لتحولات “الربيع العربي” ما زالت غير واضحة وغير مؤكدة، وطالما لم تبلغ هذه التحولات شكلها النهائي، فهناك مساحة للاعبين من خارج الإقليم للتأثير على مجريات الأمور.

و من ناحية أخرى لا يبدو أن روسيا معجبة بما تعتقد أنها دبلوماسية “زائدة الطموح” من جانب المملكة العربية السعودية وقطر، وحرصت من خلال موقفها من الأزمة السورية على إيصال رسالة مفادها أنه حتى بالدعم الغربي لن يستطيع اللاعبون الإقليميون إعادة ترتيب المنطقة وفق هواهم بدون أخذ الموقف الروسي في الاعتبار.

كما أن الصراع في سوريا يدور أساسًا بين القوى الإقليمية (إيران والسعودية) أكثر من كونه صراعًا بين روسيا والغرب ، وترى روسيا بحسب تصريحات سياسيين فيها أنها من الممكن أن تطرح نفسها كوسيط لحل مشكلات المنطقة، وخاصة في إطار التوتر المتصاعد بين الشيعة والسنة، مستغلّة في ذلك موقعها كمراقب في منظمة التعاون الإسلامي، وصلاتها بدول عدم الانحياز، ولأنها تعد “مقبولة” لدى شعوب المنطقة بوصفها دولة ذات حضارة تنتمي إلى كل من أوروبا وآسيا، والإسلام والمسيحية في الوقت نفسه. وهي بعيدة عن العلمانية الأوروبية المفرطة التي لا تلائم المجتمعات الشرق أوسطية.

وتعد الأزمةُ السورية المدخلَ المباشر لاستعادة النفوذ الروسي، حيث يذهب المحللون الروس إلى أن التعاون الروسي الأمريكي بشأن عقد مؤتمر دولي لمعالجة هذه القضية بمثابة إعلان صريح عن عودة روسيا إلى مصاف الدول العظمى، ولكنّ هناك إدراكًا لدى الجانب الروسي بأن شعوب المنطقة لا تتفهم تحفظات روسيا على منطق التحول الديمقراطي والخطاب الغربي بشأن حقوق الإنسان، وهي ترى في كثير من الأحيان أن الموقف الروسي “متحجر” وغير متعاطف مع مطالب الشعوب العربية.، ولكن سياستها تجاه الأزمة السورية تنبع من موقف مبدئي يتصل بقضية الحفاظ على سيادة الدولة، والتي تشكل عماد النظام الدولي.

وفي المقابل صادقت الولايات المتحدة في خطوة مفاجئة على خطط تسمح لحركة طالبان الأفغانية بافتتاح مقرّ سياسيٍّ لها في قطر قبل نهاية العام الحالي.

حيث صرحت الخارجية الأمريكية بأن “الخطوة جرى ابتكارها لتمكين الغرب من بدء محادثات سلام رسمية مع طالبان بأمل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة في أفغانستان منذ 10 سنوات”.
كما أنّ سفارة “إمارة أفغانستان الإسلامية” ستُفتح في قطر قبل نهاية العام الحالي بأمل أن تساعد في تسهيل محادثات سلام يمكن أن تؤدِّي إلى هدنة مع طالبان، بعد أن حظيت على دعم زعيم الحركة الملا عمر, فهل هي الصدفة البحتة أن يتزامن افتتاح مكتب طالبان اليوم مع تولي القوات الأفغانية السيطرة الأمنية على مجمل مناطق أفغانستان بعد تسليم قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) مسؤولية آخر المناطق المتبقية إليها ضمن عملية النقل التدريجي للسلطة هناك!.

الخبر بذاته كان مفاجأة حيث إن أمريكا هي من أسقط حكومة الطالبان الأفغانية واليوم تجبر قطر على فتح مكتب سياسي لهم خاصة أن الأمر هذا اغضب حكومة كرازي في أفغانستان وكأنما أمريكا بدأت تتخلى عن نظام كابول وتتجه للتفاهم مع حركة طالبان بشكل مريب.

فلماذا تعلن أمريكا عن هذه الخطوة بالحوار مع حركة طالبان المتشددة في هذا الوقت بالذات ؟

من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تعاني من الحرب في أفغانستان والتي اتضحت أنها حرب عبثية من جانب أمريكا ولا تحقق أي مصلحة لأمريكا , بل العكس تستنزف الميزانية الأمريكية فضلا عن الخسائر البشرية , ولا يبدو في الأفق أن هنالك انتصار ممكن على الحركة.

وتأكدت أمريكا من أن نظام كابول والرئيس حامد كرازي هش لا يستطيع أن يفعل شيئاً رغم الدعم المادي والبشري من قبل حلف الأطلسي , ولهذا رأت أنه من الأفضل الحوار مع طالبان خاصة أن حركة طالبان شعرت أنها لن تستطيع أن تحسم الحرب لمصلحتها , فلهذا التقت الرغبتان الأمريكية والطالبانية لإجراء حوار بينهما يؤدي إلى خروج قوات الأطلسي من أفغانستان مع الاتفاق على تأسيس وبناء دولة أفغانية لا تتعرض للتدهور تكون بين النظرة الأمريكية والنظرة الطالبانية وهذا الاحتمال يبدو مرجحاً و منطقياً ولكن ماذا تستفيد أمريكا من هكذا اتفاق ؟

لابد أن الولايات المتحدة تبحث عن مصلحة لسياستها في المنطقة وخاصة أنها في حالة عداء شديد مع إيران ” الشيعية ” والتي تتاخم أفغانستان بحدود طويلة ولهذا ربما طالبان ستتحول من أيدي هدم وتدمير للمصالح الأمريكية إلى أذرع أمريكية في صراعها مع إيران ولن تجد أمريكا من هم اشد كراهية وعداء لإيران الشيعية من حركة طالبان السنية المتشددة . ولكن لا بد من توفير أرضية مسبقة للصراع السني – الشيعي في المنطقة والذي لطالما كان موجوداً ولكن لم يتم تأجيجه من قبل , فتحولات الحرب في سوريا اتجهت نحو شحن طائفي كبير بين السنة والشيعة خاصة بعد تحرير القصير من قبل الجيش السوري بمساعدة من حزب الله ” الشيعي ” , وبهذا تكون استوت النار تحت طبخة الأمريكان لتمتد سعار الحرب الطائفية إلى خارج حدود سوريا , فيكون العدو الأساسي للمتعصبين الوهابيين في المنطقة والتي تديرهم أمريكا هو إيران , ولا بد من زيادة المخاوف من انتشار المد الشيعي في المنطقة بقيادة إيران , فتهب المملكة السعودية ذات الأصول الوهابية بكامل عتادها ومقاتليها لإيقاف هذا المد , فالترويج الإعلامي لما حدث في القصير على انه معركة انتصر فيها الشيعة على السنة, ومناشدات لنصرة أهل السنة على الأرض السورية من حزب الله الشيعي , جعل سعار هذه الحرب تمتد إلى الأرض اللبنانية وتبدأ بممثل المسرحية ” احمد الأسير ” الذي نصّب نفسه وكيلا ًشرعياً للطائفة السنية في لبنان دون الرجوع لأحد , ما لبث أن أثبت فشله وعدم مصداقيته على الأرض وقلة أتباعه الذين كان غالبيتهم سوريين من عناصر ” الجيش الحرّ ” , وهذا يعني أيضاً أن هذا الجيش ” الحر ” الذي صوّر بداية كمجموعات سورية انشقت عن الجيش السوري لتقاتل دفاعاً عن حريتها المزعومة , هو في الأصل والتكوين أداة أمريكية طيّعة لتنفيذ الأعمال المطلوبة منه على أية أرض حتى لو كانت خارج سوريا .

وهكذا بعودة طالبان إلى الحظيرة الأمريكية التي انطلقت منها تكون قد كسبت أمريكا أداة جديدة تحارب بها النفوذ الروسي أيضاً وانتشاره في المنطقة , فهذه الحركة تأسست على يد المخابرات الأمريكية كجزء من مخطط مقاومة النفوذ السوفيتي, وهذا ما ينعش ذاكرتنا ويذكرنا بكيفية تأسيس تنظيم القاعدة ومن أسسه وكيف انقلب على الأهداف الأمريكية؟ ومن ثم كيف تم تدجينه مجدداً تحت مسمى جبهة النصرة في سوريا ليعود التنظيم أداة طيّعة لتحقيق المآرب الأمريكية الصهيونية.

والخوف الأمريكي الحالي من عودة النفوذ الروسي يكمن في كون روسيا بسياساتها الخارجية تحقق مكاسب نوعية باعتبارها حليفاً قوياً لسوريا وإيران , كما أنها تعتبر دولة ذات ثوابت وليست متذبذبة مثل السياسة الخارجية الأمريكية , ولذلك علاقات روسيا جيدة ومتينة مع العديد من الدول التي بإمكانها الانضمام إلى حلفها الاستراتيجي طالما الحليف الروسي مطمئن على ثبات أسس هذه العلاقة.

مجدداً تتكرر اللعبة الأمريكية ذاتها مع تنظيم القاعدة وهو الأب الروحي لطالبان , فالسياسة الأمريكية لا ثوابت فيها إلا المصالح الأمريكية , وفي هذه المصالح إذا اقتضت ظروف الحشد الدولي في سوريا وخدمة للهدف الأبعد – توفير أسباب البقاء لإسرائيل ! – أن تمدّ أمريكا يدها للتحالف مع الشيطان لفعلت ذلك , وها هي تفعل ذلك مرة أخرى.

ولكن اللعبة السياسية تتغير كل يوم بناءً على الأهواء والمصالح الأمريكية والروسية , مع تعاظم نفوذ روسيا في المنطقة , وبذلك أصبح المسرح الدولي مستعداً لمسرحية جديدة بممثلين جدد أو معدّلين هذا يفرضه الاتفاق النهائي بين اللاعبين الأساسيين.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > الحدث
روسيا مقابل أمريكا: لمن الغلبة في النهاية؟,