12 بليون دولار لمصر: هل ستنقذ الاقتصاد المصري من هوة الكارثة؟

نشرت مجلة "فورين بوليسي" الاميركية مقالا بقلم المحلل السياسي جيمس تراوب من مركز التعاون الدولي على موقعها الاليكتروني اليوم السبت تقول فيه ان العالم العربي المعاصر ربما لم يشهد قط فريقا حكوميا على درجة عالية من الثقافة والكفاءة المهنية مثل الفريق الذي يشكل حكومة مصر الجديدة. ويتساءل كاتب المقال : هل يمكن لحكام مصر الجدد، وقد حصلوا على مبلغ 12 مليار دولار من دول عربية بهدف دعم اقتصادها المنهار، ان يحققوا تقدما اقتصاديا كافيا لتحاشي الوقوع في كارثة؟ ويكتب: "يجدر بنا قبل ان ندخل في متاهات البحث عن امر ايجابي ان نخصص لحظة للتعريف ببعض اعضاء الحكومة المصرية الجديدة: فهي تضم رئيس الوزراء حازم الببلاوي، المدير السابق لمصرف تنمية الصادرات المصري، ووزير المالية احمد جلال، احد مسؤولي البنك الدولي سابقا، ونائب رئيس الوزراء زياد بهاء الدين، الرئيس السابق لهيئة الاستثمار المصرية. ولم يعرف العالم العربي المعاصر جهازا حكوميا مماثلا على درجة عالية من الثقافة والكفاءة المهنية.حسنا، وماذا بعد؟ ان اي حكومة تتشكل على انقاض نظام محمد مرسي الاسلامي لن تعتبر شرعية في نظر ملايين من المصريين يرون ان مرسي اطيح به في انقلاب. وفي غياب الشرعية، فان أي حكومة لن تتمكن من ترسيخ سياساتها مهما اتسمت به من الحكمة. ذلك انه لا القادة العسكريين الذين اطاحوا بمرسي ولا القوى العلمانية التي تسلمت مقاليد الحكم الان اظهروا اي اعتراف بانه لا بد لدولة ديمقراطية ان تضم ملايين الذين شاركوا مرسي رؤيته الاسلامية. ومن ذا الذي يهتم بعدد الدرجات العلمية ودرجات الدكتوراة التي يملكها التكنوقراط الجدد؟اوضحت انني ساحاول ان اكون متفائلا – فالرجاء ان تسمعوني. أولا وقبل كل شيء، حصلت الحكومة الجديدة على شي لم يكن لسابقتها: اعني 12 بليون دولار من السعودية والامارات والكويت، التي وفرت تلالا من النقد (ووعودا بالنفط) مكافأة لمصر على التخلص من الاخوان المسلمين. هذه المكرمة الجزيلة سوف تحصد مشاعر اكثر مرارةً بين "الاخوان"، ولكنها تبعد شبح الازمة التي خيمت منذ ان بدأ احتياط النقد الاجنبي في مصر يتهاوى نحو الصفر. وبالتالي فان مصر لن تفشل في سداد ديونها الخارجية ولن تواجه هبوطا في قيمة عملتها – فاي منهما كان سيؤدي الى دمار الاقتصاد ويدفع المستثمرين الاجانب للفرار بعيدا.اضافة الى ذلك فان توفر النقد ينهي ايضا، على سبيل المثال، الموقف الجامد المرهق لمصر امام صندوق النقد الدولي. وكانت حكومة مرسي التي عانت من حالة يأس في الحصول على النقد قد بذلت جهودا لم تثمر لتنفيذ اصلاحات مالية صعبة يطالب بها الصندوق مقابل قرض بقية 4.8 بليون دولار. وتسبب هذا الوضع في المخاوف المترتبة على مناقشة شديدة التعقيد يما يحمله الاصلاح الاقتصادي وفق معايير صندوق النقد الدولي الضيقة. وقال وزير المالية الجديد احمد جلال انه في الوقت الذي كان قرض الصندوق يمثل "جزءا من الحل" بالنسبة الى مصر، من حيث انه سيحمل دلالة قوية للمستثمرين الاجانب، فاننا الان لسنا بحاجة اليه. وهو ما يبدو على السطح انه أمر جيد.وأيا كان ما يدور في خلد المصريين بالنسبة الى الحكام الجدد، فان المستثمرين يراقبون الوضع عن كثب. وقال أنغوس بلير، رئيس هيئة الابحاث والاستثمار "سيغنت" ومقرها القاهرة، ان تغيير الاجواء السائدة بين المستثمرين الاجانب والمحليين، بدأ بمجرد القيام بتعيين فريق جديد. ويرى انه اذا اوضحت الحكومة انها راغبة في اتخاذ اجراءات قاسية، فان مصر ستتمكن من العودة سريعا الى نسبة 6 في المائة من النمو الذي عايشته في الفترة من العام 2006 الى 2009. ويتوقع بلير انه مع نهاية هذا الشهر، فان الحكومة ستعلن عن سياسات جديدة، يأمل ان تشمل تخفيضا تدريجيا للبيروقراطية، والعمل على مكافحة الفساد وتخفيض العجز في الميزانية.والمشكلة هي ان اي اجراءات اقتصادية تتسبب في تحميل اعباء كبيرة لا بد لها من الحصول على موافقة الاجماع الشعبي، في دول غير استبدادية على الاقل. وسارعت الحكومة الاسلامية الى التخلي عن نواياها بعد الثورة، عندما حاول مرسي ان يلبي مطالب صندوق النقد الدولي بفرض ضريبة مبيعات على السلع الاستهلاكية، وقامت مظاهرات عنيفة اجبرته على التراجع قبل مضي اكثر من ثماني ساعات على الاعلان عن تلك السياسة. وتعيش مصر اليوم على عجز في الميزانية لا يمكن تحمله على الاطلاق يعادل حوالي 15 في المائة من اجمالي الناتج المحلي. ولا بد لحكومة الببلاوي من زيادة العوائد وتخفيض التكلفة. وهذا يعني ضرائب على الاثرياء – والنسبة العليا في مصر تصل الى 25 في المائة – والقيام بتحصيل ضريبة الداخل، وهو امر سيكون صعبا بما فيه الكفاية. غير ان الجزء الاشد صعوبة هو تخفيض الدعم على المواد الغذائية والوقود، الذي يستهلك 20 بليون دولار في السنة، او ربع ميزانيتها. ولا يمكن للحكومة الموقتة الجديدة بحكم موقعها ان تدعي بان لديها تفويضا شعبيا تحتاج اليه لوضع هذه القرارات موضع التنفيذ.لم يجد حسني مبارك، رغم كل ما كان لديه من سلطات دكتاتورية، الشجاعة لتنفيذ خطط ظلت معلقة لفترة طويلة بشأن تخفيض الدعم. لقد حاول مرسي ولكن محاولته فشلت. وهناك مشروع على الطاولة لتوفير دفعات نقدية مباشرة الى الفقراء للتعويض عن الخسارة في دعم الوقود (ولا احد يتحدث عن التخفيض التدريجي لدعم اسعار المواد الغذائية)، وتوزيع بطاقات ذكية يمكن لاصحابها الشراء مباشرة من المتاجر ومحطات الغاز، والقضاء بذلك على الوسطاء الذين يحصلون على حصتهم وفي اغلب الاحيان يسرقون او يحولون اتجاه النفط والغاز. انه الحل الحاسم الذي يخضع للدراسة حاليا في الاردن والهند واماكن اخرى من العالم. ولدى مصر الان الاموال لهذا البرنامج. لكنه لا يمكن ان يصبح نافذا في غياب "حملة علاقات عامة واسعة"، حسب قول محسن خان، مدير صندوق النقد الدولي بالنسبة لمصر. ويعتقد ان ذلك ابعد ما يكون عن متناول الحكومة الموقتة، التي تعمل بلا برلمان، ولذا فعليها ان تصدر القوانين بمراسيم.من الطبيعي ان الحلول التكنوقراطية لا تشفي الجرح العميق الذي اصاب قلب المجتمع المصري. ومع ذلك فانه لا يمكن تلبية المطالب الاولية للعدالة الاجتماعية والاقتصادية بلا سياسة سليمة. وصياغة هذه السياسة شيء يمكن لفريق أشرف العربي، وزير التخطيط، ان يفعله بعد ان اعلن عن خطة لوضع "خطة طريق" اقتصادية والبدء في "اصلاحات هيكلية" تحتاج اليها مصر. هذه الاصلاحات تشتمل على تغيير اولويات الميزانية للتركيز على الاستثمارات التي تنعش النمو، ومنها مشاريع البنية التحتية، وتشذيب التشابك الواسع في الانظمة التي تكبح الاستثمار الخاص، واستهداف السيطرة الاحتكارية على قطاعات مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية، وبيع بعض مشاريع القطاع العام التي لا تجد اقبالا عليها قط. ولم يشر اي من الخبراء الذين تحدثت معهم الى أهمية تخفيض الدور الهائل للعسكر في الاقتصاد، وربما كان ذلك لانهم عمليون لا يميلون مع هبوب الرياح.ومع ذلك فان هذه التغييرات الكاسحة لن تمس قلب المشكلة المصرية، الا وهي الفشل الدائم في استثمار ابناء الشعب. وهذا ليس سرا: فقد اشار تقرير تنمية الانسان العربي للعام 2002 الى تدني نسبة التعليم، وانخفاض مستوى المدارس الثانوية والجامعات، والقصور في الإبداع والشفافية الثقافية، وفوق هذا كله صفة المواطنة من الدرجة الثانية بالنسبة الى المرأة باعتبار انها المشاكل المزعجة في الشرق الاوسط. (ومنذئذ فان مصر ودولا اخرى حققت تقدما حقيقيا في نسبة التعليم، ولكن القليل بالنسبة الى وضع المرأة او نوعية التعليم العالي). ولما انه ليست هناك ثروة نفطية يمكن الاستناد ليها، فان مصر ستبقى حبيسة الفقر الى ان تتمكن من ايجاد مواطنين متأقلمين مع القرن الواحد والعشرين. وليس من شأن الطريق المسدود الآن في ما يتعلق بالهوية والتمثيل السياسي سوى ارجاء يوم الحساب. انه سبب اخر للأمل بزعيم اقل شوفينية، وريفية وتعصبا ممن يبدو انهم يقومون على ادارة شؤون مصر الان.لم يتسبب استئناف الحكومة الجديدة لاعمالها في اخفاء مشاعر الخبراء الذين تحدثت معهم. وقالت علياء مبيض، كبيرة الاقتصاديين في بنك باركليز بلندن ان "السياسة ستكون البطاقة الرابحة في اي محاولة للاصلاح لفترة من الوقت على الاقل. غير ان الاشخاص الذين كلفوا بادارة السياسة الاقتصادية لديهم ما يكفي من المصداقية لوضع المقترحات، وان لم يكن لتنفيذ الحلول، لتمهيد الطريق امام حكومة منتخبة مقبلة للحث على الاصلاحات بطريق اوسع وباسلوب اكثر تنسيقا".هذا على فرض انه ستكون هناك حكومة اخرى منتخبة بالطبع، وانه سيُنظر اليها على انها تمثل قطاعات عريضة من الشعب. وبخلاف ذلك، فان الركود الاقتصادي سيظل اقل المشاكل المصرية".
iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > موقع اذاعة الشمس