تلازم العلاقة بين العقيدة والشريعة في الإسلام

مما يميز الإسلام عن بقية الأديان أنه دين الكمال ( عقيدة وشريعة ومكارم أخلاق)، عقيدة عمل قلبي بين المسلم وربه، وشريعة تنظم الحقوق الواجبة بين المسلمين من جهة وبينهم وبين غيرهم من جهة أخرى، ومكارم أخلاق تحث على الفضل والإيثار في القول والعمل، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (سورة المائدة:3)، فهو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لعباده إلى أن يرث الأرض ومن عليها.

ومما يعكس كمال الإسلام ويجسد تمامه تنظيمه لأدق تفاصيل حياة الإنسان، روحية كانت أو حسية، بدءا بعلاقته بخالقه وانتهاء بنفسه ومجتمعه، فعلاقة الإنسان بربه تتجسد في الإيمان والعبادات، وعلاقته بنفسه ومجتمعه تتجسد بالمعاملات وحسن الخلق، وهذا يعني أن الاعتقاد والعمل بينهما تلازم لا ينفك أحدهما عن الآخر، فلا عقيدة صحيحة بدون عمل، كما أنه لا عمل يقبل إلا بعقيدة صحيحة، قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ صالحا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (سورة النحل: 97)، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنّما الأعْمَالُ بالنّيات، وإِنّمَا لِكل امْرِئٍ ما نَوَى).

فالله – جل وعلا – بعث الرسل – عليهم الصلاة والسلام – بعقيدة يجب أن يؤمنوا بها، وبشريعة يجب أن يعملوا بها ويسيروا عليها. وهذا عام لجميع الرسل.

فالإسلام عقيدة وشريعة ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) (سورة آل عمران19)، فجميع الرسل والأنبياء بُعثوا بهذا الدين العظيم (الإسلام) ، بتوحيد الله وطاعته، وتعظيم أمره ونهيه، واتِّباع ما شرع، وترك ما نهى عنه، كلهم بعثوا بهذا قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (سورة النحل: 36)، وقال تعالى : ( رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ) (سورة النساء: 165).

إذن لا بد من الإيمان بمحمد – صلى الله عليه وسلم – واتباعه، فقد بعثه الله –جل وعلا – بعقيدة وشريعة، عقيدة لا بد من الإيمان بها في القلوب، بيَّنها في القرآن جل وعلا، في آيات كثيرة ، ومن تدبر القرآن عرف هذه العقيدة ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (سورة البقرة: 21)، ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) (سورة الذاريات: 56)، ( لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ) (سورة البقرة: 177)، آيات كثيرة بيَّن فيها – عز وجل – ما شرعه لنبيه صلى الله عليه وسلم، وما بعثه به .

والتّلازم بين العقيدة والشريعة ظاهر في عَقْد الإيمان وفي أصل الديانة؛ لأن الشهادتين - شهادتي أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله - كل منهما تفيد التلازم بين الاعتقاد والعمل، بين العقيدة الصحيحة وبين شرائع الإسلام، وكذلك فيما بين الشهادة الأولى والشهادة الثانية تلازم بين الاعتقاد والعمل والشريعة، فشهادة أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله جل وعلا، وهذا النفي لأحقية معبود للعبادة غير الله جل وعلا يقتضي أن هناك عبادة، والعبادة لا تصح إلا بعقيدة بإخلاص وبتوحيد، والعبادات مختلفة، فدلّتنا كلمة التوحيد على الارتباط العظيم ما بين العقيدة والتوحيد وما بين الشرائع والعبادات، وكذلك شهادة أنّ محمدا رسول الله التي معناها أنك تقرّ وتوقن وتعلم وتخبر بأن محمدا بن عبد الله الهاشمي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو رسول الله وخاتم الأنبياء وخاتم المرسلين، ومقتضاها تصديقه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيما أخبر وطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَم، فقولنا في مقتضاها تصديقه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيما أخبر هذا متصل بالاعتقاد، فكل ما أخبر الله جل وعلا به فواجب تصديقه؛ لأن الله سبحانه هو أصدق القائلين قال تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) (سورة النساء: 122)، ولا أحد يخبر عن الله جل وعلا وعن خلقه بأصدق من الله سبحانه وتعالى، كذلك نبيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يخبر بوحي من الحق جل وعلا، قال تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ )(سورة النجم: 3-4).

ووجه تحقيق التلازم بين العقيدة والشريعة يكون من جهتين:
الأولى: أن هذا الشمول جاء من الله سبحانه رحمة لعباده كما دلت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى:( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )(سورة النحل: 89)، فأسماء الله وصفاته تقتضي أن يكون الدين شاملا.
الثانية: أن الأحكام الفقهية التفصيلية والدقيقة ترتبط بالعقيدة: فمثلا الآية التي تثبت كمال الدين وشموله في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (سورة المائدة: 3).

فذكر الله جملة من التفصيلات لأحكام شرعية من جانبين هما: الأول: متعلق بالشريعة، والثاني: متعلق بالعقيدة، فالجانب المتعلق بالشريعة يبين أحكام ذبائح نجسة ضارة، وأنواع وأشكال الميتة: مرة بالضرب، وأخرى بالخنق، وثالثة بالسوط، ورابعة بالنطح في قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ....) (سورة المائدة: 3)، وكذلك في الآية بيان لقاعدة فقهية، وهي: الضرورات تبيح المحظورات، وذلك في قوله تعالى:( ...فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )(سورة المائدة: 3).
والجانب المتعلق بالعقيدة: نهى الله عن الشرك، بأن يعتقد الإنسان بغير الله بقولة تعالى: ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )(سورة المائدة: 3).
فالشريعة مرتبطة بالعقيدة بالعمل، من جهة أن العمل منشؤه العقيدة، وأن العقيدة تزيد بزيادة العمل وتنقص بنقصانه، فالاعتقاد أهله ليسوا في أصله سواء، وإنما يختلفون فيه بقدر ما في قلوبهم من اليقين الذي يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح بما دلتهم عليه النصوص من الكتاب والسنة الكثيرة والمعروفة في مواضعها، كان من اعتقادهم أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، الإيمان بالله يزيد بالعمل وينقص بالعصيان أو بترك العمل الواجب.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > إسلام ويب