دور التنظير الفقهي في إصلاح حال السجون في الحضارة الإسلامية

السجن مؤسسة إصلاحية ضاربة بجذورها في القدم في كل المجتمعات المتحضرة التي عرفت نوعا من السلطة والنظام المركزيين، وفي الحضارة الإسلامية كانت هذه المؤسسة بدائية في تأسيسها شأن البدايات كلها التي تبدأ من النواة ثم تنمو وتزدهر لتصل إلى أعلى حالات رقيها، ثم تنهار بعد ذلك سالكة المنحنى الطبيعي لتطور الأحداث في السَّنن التاريخي للنمو، ففي العهد النبوي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسجن المحبوسين بشد وثاقهم في المسجد أو في أحد البيوت القريبة منه ويُجلًب لهم طعامهم وشرابهم وكافة احتياجاتهم من قبل من أسرهم أو من طرف عامة المسلمين تلبية للأمر القرآني الصريح الذي قضى بمعاملة الأسرى والمحبوسين معاملة كريمة؛ وحَضَّ على إيثارهم بالطعام - وهو أحوج حاجيات الإنسان - حتى في أوقات العسرة والشدة؛ قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]،

وتطبيقا لهذه الآية ضرب المسلمون أروع الأمثلة في رعاية المحبوسين فقد كان عزيز بن عمير وهو أسير يأكل أطايب الطعام، أما الذين أسروه فيأكلون التمر وما فضل عنه من طعام، ثم تطورت بعد ذلك السجون قليلا لتصبح في قيعان الآبار وداخل التجويفات الأرضية التي تمنع المجرمين من الهرب ولا تكاد تحتاج إلى حراسة إذ لم يكن جهاز الشرطة قد تكون، والقصة التاريخية الشهيرة في هذا الصدد؛ قصة الحطيئة مع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب شاهدة على هذا النوع من السجون، والتطور الثالث كان في عهد الخليفة الرابع علي بن أَبي طالب رضي اللَّه عنه؛ إذ تذكر بعض المراجع أنه بنى سجنا بالكوفة وسماه نافعا إلا أنه كان غير مستوثق البناء وكان من قَصَب فكان المحبوسون يَهْرُبُون منه وقيل إِنه نقب وأُفْلِتَ منه المُحَبَّسون فهدمه علي رضي اللَّه عنه وبنى المُخَيَّس لهم من مَدَرٍ واتخذ عليه أمينا يحرسه - وهو سجن الحجاجك بالعراق - فكان أول سجن بني في الإسلام .

توسعت مصلحة السجون بعد ذلك مع اتساع الدولة وتعقيد إداراتها وتداخلت عوامل السياسات والجنايات غير محددة العقوبات كمسببات رئيسية لإيداع السجون، كما أن تطور الجريمة في المجتمع الإسلامي وتقلد بعض أسرى حروب الفرنجة مناصب سامية في الدولة وفرض بعض النظم الاجتماعية على المجتمع المسلم، إضافة إلى امتزاج أهل الأمصار الإسلامية بين بعضهم البعض بسبب الحروب الطاحنة، والاضطرابات المدوية التي كانت تعصف بدار الإسلام؛ فأهل العراق يفرون إلى الشام، وأهل دمشق إلى مصر والمغرب وهكذا، كل هذا ساعد في تكوين بيئة اجتماعية غير منتظمة وغير مترابطة، وأوجد عوائد بين المسلمين لا يقرها الإسلام، وأحدث بدعاً مخالفة للشريعة وقد كان هذا تأثيرا طبيعيا للمجتمع الإسلامي لاحتكاكه بشذاذ الآفاق الذين كانت تعج بهم المنطقة بأسرها، وقد جاءوا يحملون معهم حضارات وتقاليد واجتماع لا يعرفها الإسلام؛ بل أكثر من ذلك فقد حملوا معهم حتى عقائدهم وأفكارهم وقد كان الكثير منها يناقض الإسلام مناقضة صريحة؛ وقد أثر هذا الاضطراب بشكل رئيس في ناحيتين اثنتين:
الأولى : إحداث بدع وجرائم غريبة على المجتمع المسلم وغير محددة العقوبات في النصوص
والثانية: ابتداع طرق للعقاب والحبس شديدة الوحشية وربما راقت لبعض المستبدين لفاعليتها في تحقيق أهداف الردع والاضطهاد التي كانوا يسعون إليها دون تقيد بحدود الأخلاق أو الدين.

لكن اللافت للانتباه هو أن حضور الفقهاء والتنظير الفقهي بشكل عام كان بارزا في حركة تطوير وإصلاح حال السجون ربما لأن الفقهاء كانوا على اطلاع تام بخفايا أهوال وأحوال السجون فعدد كبير منهم حبس وعذب في دور التأديب عقابا على رأي أو موقف سياسي أو حتى شخصي أحيانا فقد سجن الإمام أحمد بن حنبل على القول بخلق القرآن وعذب، وكان من من ثبت معه اثنان من كبار علماء المسلمين؛ نعيم بن حماد الخزاعي، وأبو يعقوب البويطي وقد ماتا في سجن الواثق
كذلك فإن شمس الأئمة السَّرْخَسيّ كان عالمًا عاملاً ناصحًا للحكام، فسجنه الخاقان بسبب نصحه له؛ فلم يقعده السجن عن نشر ما حباه الله من علم؛ فأملى كتاب المبسوط ـ وهو أكبر كتاب في الفقة الحنفي مطبوع في ثلاثين جزءاً ـ وهو سجين في الجبّ، كما أملى شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني وهو حبيس في الجب
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد كان له القدح المعلى في هذا الميدان إذ قدم حياته وحريته قربانا لتحرير المجتمع من دعاوى الضلال وخرافات الابتداع فمات شهيدا دون رأيه، مظلوما مسجونا في سجون المماليك لكنه غرس شجرة طيبة في ساحة العقل الإسلامي، كانت بذرتها الكلمات " الواعية الطيبة " التي بارك الله فيها، فغدت المظلة التي استظل بها زعماء الإصلاح الإسلامي على امتداد عالم وتاريخ الإسلام اللاحق كله، وقد جرى له من الابتلاءات والسجن والمحن ما يطول شرحه، وأشهرها سبع سجنات في القاهرة والإسكندرية ومصر ودمشق بلغ مجموع ما قضى فيها أكثر من 1731 يوما؛ أي ما يقرب من الخمس أعوام حتى وافته المنية في سجن القلعة بدمشق .

أما على الصعيد النظري فقد وُجهت في الأمة دعوات عدة لإصلاح حال السجون تأتي في باكورتها رسائل عمر بن عبد العزيز التي كان يكتب إلى عماله وأمراء أجناده، فقد وجههم قائلا: "لَا تَدَعُنَّ فِي سُجُونِكُمْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وَثَاقٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّي قَائِمًا، وَلا تُبِيتُنَّ فِي قَيْدٍ إِلا رَجُلا مَطْلُوبًا بِدَمٍ، وَأَجْرُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يصلحهم فِي طعامهم وَأَدَمِهِمْ، وَالسَّلامُ"، وأمر لأهل السجون برزق وكسوة في الصيف والشتاء، [الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 357)]، وكان من توجيهاته رضي الله عنه قوله لرئيس إدارات السجون: وَاغْنِهِمْ عَنِ الْخُرُوجِ فِي السَّلاسِلِ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمُ النَّاسُ؛ فَإِنَّ هَذَا عَظِيمٌ أَن يكون في قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَدْ أَذْنَبُوا وأخطئوا وَقَضَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ فَحُبِسُوا، وَمَا أَظُنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ يَفْعَلُونَ هَذَا بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي أَيْدِيهِمْ؛ فَكَيْفَ يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ هَذَا بِأَهْلِ الإِسْلامِ؟ إِنَّ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَعْرُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَتَفَقَّدَ أَمْرَهُمْ وَمُرْ بِالإِجْرَاءِ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا فَسَّرْتُ لَكَ، [الخراج لأبي يوسف (ص: 164)]
وفي العصر العباسي نجد الوزير الفقيه يحي بن هبيرة يتكلم – وهو في أعلى منصب سياسي بعد الخلافة - عن حقوق المسجونين ومراعاة إصلاح حال السجون وتوفير القدر اللائق بالحياة الإنسانية فيها؛ حيث يقول: " ... فأما الحبس الذي هو الآن فإني لا أعرف أنه يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك أنه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم، غير متمكنين من الوضوء والصلاة، ويتأذون بذلك بحره وبرده، فهذا كله محدث، ولقد حرصت مرارا على فكه، فحال دونه ما قد اعتاده الناس منه، وأنا في إزالته حريص والله الموفق" [الإفصاح عن معنى الصحاح]، وفي العهد المملوكي كان لابن تيمية دور كبير في إصلاح أحوال المسجونين والسجون، إلى غير ذلك مما يطول استقصاؤه،

وهكذا فإننا نجد أن الضمير المسلم كان متفطنا باستمرار لحقوق المستضعفين ومناصرا لهم، كابحا جماح السلطة عن أن تسرف في الاقتصاص فتظلم الظالمين، ورغم وجود قدر كبير من الإجحاف والضيم في مجال العقوبات شمل حتى الفقهاء والعلماء في أحايين كثيرة فإنه مجردٌ من أي غطاء فقهي أو شرعي فقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله بيننا محرما، كذلك فإن الله تعالى قد نوه في كتابه الكريم إلى أنه حتى ولي المقتول ظلما لا يجوز له الإسراف في أخذ القصاص وإنما يقتص قدر ظُلماته دون أن يتسور على حق غير ظالميه أو على ظالميه بأكثر مما ظلموه؛ قال تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] .

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > إسلام ويب