فضل العمل الصالح في رمضان

إن مما قيل: إن لله خواصَّ في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وإن من الأزمنة المفضلة شهر رمضان؛ وذلك أن فضله كان بنزول القرآن فيه، ويكفيه فضلاً أن فيه ليلة خير من ألف شهر، ولم يزل هذا الشهر على الأمة عظيم البركات كثير الخيرات، ومما كان فيه ما حفظ الله به دينه، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم المشركين وحده، وهو غزوة بدر، وهي أول غزوة التقى فيها الإسلام والكفر، وكان المسلمون يومئذ قليلاً، وكان ما لديهم من عتاد ضئيلاً، وكانوا على ما فيه من القلة مستضعفين أذلة، كما قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} (آل عمران:123).

ورمضان وإن لم يكن من الأشهر الحرم، فإنه أفضل من تلك الأشهر؛ لما تقدم من دلالة القرآن، وحَسْبُ رمضان فضلاً ليلة القدر.

وإن مما هو معلوم أنه إن كان الظرف مفضَّلاً، كان العمل الذي يقع فيه مفضَّلاً، ويكون فضل العمل على حسب ذلك الظرف، ومما يصح أن يذكر في فضل التطوع مع أداء الفرض، أنه قلما يؤدي أحدٌ فرضاً حق أدائه، وكما ينبغي أن يؤدى، ومن غير أن يقع تقصير أو خلل، نقيصة أو زلل، فيكون ذلك التطوع جبراً للكسر، وتكميلاً للنقصان، ومدعاة للعفو والغفران، وهذا هو السر في زيادة السنن الرواتب على الفرائض، والحث على النفل والتطوع في الصلاة.

وهذه وجوه أخرى لفضل الأعمال الصالحة في رمضان، نجملها فيما يلي:

- إن صيام هذا الشهر يذلل النفس، ويطبعها على الطاعة، حتى تكون طوع اليدين، وحتى لا تكاد تعصي للصائم أمراً، ولا تأبى عليه مراداً، فليغتنم الصائم الفرصة، وليكثر من عمل الخير، وليجعل من هذا الشهر موسماً للعبادة، وليتزود فيه من الأعمال الصالحة، فإن خير الزاد التقوى.

- إن من حكمة الإكثار من الطاعات في هذا الشهر أنه يخرج الصائم متطبعاً بفعل الخير، متعوداً لعمل البر، فإذا ما انقضى رمضان لم ينقطع عن ذلك، ولم تعصه نفسه فيما يزكو به ويتجمل، ويسمو به ويتزين، ويغدو به من الأبرار المتقين الفائزين بجوار رب العالمين في عالم الخلود.

- ينبغي أن يُعلم أنه إنما جعل الصيام شهراً ليتدرب المؤمن على حكم نفسه، وليأخذ بناصية هواه وشهواته، فيكون ممن هُيِّئوا للسعادة، وكان لهم الحسنى وزيادة، ومنه الارتياض على غير الصيام من الطاعات، وفعل القربات.

- إن فعل الخير على كل حال من ذلة النفس وانكسارها، وخضوعها لخالقها، لما يصفي الفعل، ويجعله خالصاً من الشوائب، لا يذكر فيه غير وجه الله، فيتضاعف فيه الثواب، ويزداد به الأجر، وتعلو به الدرجة. وفي هذا ما يحبب الإكثار من عمل الخير في هذا الشهر، وهو مما جرت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم يكثر في رمضان من العبادة والأعمال الصالحة، وصح عنه الترغيب في ذلك، وبيان ما فيه من الثواب.

- إن أعمال الخير التي تستحب في رمضان: إطعام الصائم؛ وذلك لأن فيه إعانة له على تلك العبادة، ومما ورد في بيان أجر من يفطِّر الصائم قوله صلى الله عليه وسلم: (من فطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً) رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وكثير من الناس يجرون على هذا، فيدعون -أكثر الأيام- عدداً من الصوام.

ومما يَحْسُن من أعمال الخير الصدقة، والصدقة تقع على ما هو فرض، وما هو نفل، غير أن اسم الصدقة فيما بعد اشتهر فيما يكون تطوعاً، واسم الزكاة فيما هو فرض.

وكلا النوعين مستحسن بذله في رمضان، وقد جرى كثير من الموسرين على إخراج الزكاة في هذا الشهر، ونعمَّا يفعلون؛ إذ أن الفقراء يستعينون بما يبذل لهم من المال على أداء هذه العبادة، فقد لا يجدون لولا الصدقات ما يقيم أودَهم، ويتبلغون به في صومهم. ثم إنهم يدخرون من الصدقات ليوم عيد الفطر، الذي يحبون أن يظهروا فيه كغيرهم بشيء من حسن اللباس، والزينة، ويجدون فيه سعة في الطعام.

وقد نظر الشارع الحكيم إلى هذا الغرض بفَرْض زكاة الفطر، وحتَّم إخراجها قبل صلاة العيد، وأوجبها على كل من يملك قوته ليومه، وعلى من يموِّنه من المسلمين صغاراً وكباراً -كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة- وإنما عمَّ بوجوبها ليجتمع منها ما يكون توسعة على الفقراء والمحتاجين في يوم عيدهم.

وفي الصدقة ثواب عظيم لم يرد في الحث على شيء من الخير ما في ورد في الحث على الصدقة، وقد جعل بعضها ركناً من أركان الدين، والحكمة في هذا أن بذل الصدقات يمنع كثيراً من الشرور، ويؤلف بين القلوب، ويجعل الأمة متآلفة، ومتضافرة متعاونة، ومما ورد من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في اختصاص هذا الشهر بمزيد من البذل حديث صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وصف فيه جود النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر وصفاً بليغاً، فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرُسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه.

ومما كان في رمضان يكثر منه النبي صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن، وقد ثبت عنه ذلك في الأحاديث؛ وذلك أن القرآن يُبَصِّر قارئه في الدين، ويحثه على مكارم الأخلاق، وقد جرى المسلمون على ذلك حتى اليوم، ولكن كثيراً منهم يتركون تلاوة القرآن بعد انصرام رمضان، ولم يكن السلف الصالح كذلك، بل كانوا دائماً يقرؤون القرآن، وكان كثير منهم يرتبون منه وظيفة كل يوم غير أنهم كانوا يكثرون من ذلك في شهر رمضان.

ومما يحسن الإكثار منه في رمضان الصلاة، وهو ما يسمى بقيام رمضان، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقومون في الليل يصلون، وكان أكثر ما يكون ذلك في رمضان، ومما ورد في الترغيب فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

* المقال للشيخ عبد الله القلقيلي، ضمن كتاب (مقالات الإسلاميين في شهر رمضان الكريم/د.محمد موسى الشريف).

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > إسلام ويب