السلام يجلب الحرب على «أدونيس»

البديل
السلام يجلب الحرب على «أدونيس»

يتعجب منه، لا يحس بأنه قادر أن يحب ويكره الناس، يلقي شعاعه ويمضي، شغفه وصلته بسواه/ بنفسه وأغوارها وأهوائها، لا يحس أنه نفسه إلا إذا انصهرت في سواه.. هكذا هو كما وجدناه في أشعاره، دائم السؤال «هل صنم الفكرة أعلى أو أكثر طهرًا من صنم الصخرة؟»، في أوقات اليأس يعرف كيف يقاوم أو يصف البؤس «إن كنت نقيَّـاً مغموسًا في آلاء الشَّمس، لن تَلقى بيتًا تسكنُ فيه، إلا اليأس»..

الشاعر الكبير أدونيس، يعرف قلبه متى يحتفل وكيف يحيا، له في الحياة حياة، وأعياد له وحده «أحتفي، هذه اللَّيلةَ، الآن، في هذه اللّحظاتِ، بما هامَ، أو جُنَّ، أو حَنَّ في سَعَفٍ أو قَصب، إنه عيدي المتفرِّد، بيدائي الأثيرةُ، عيدُ المرارات، عيدُ الأقاصي، وعيدُ التعب»، يمتلك قاموسه الخاص، يعرف أسماء الأشياء وأحوالها «مَا سَمّاهُ العالمُ عَقلاً، سَأسمّيهِ رميَةَ نَردٍ».

أعلنت مدينة أوسنابروك الألمانية، مؤخرًا قرارها بمنح الشاعر والكاتب السوري الكبير أدونيس، جائزة السلام السنوية للمدينة هذا العام، وكان محكّمو جائزة أوسنا بروك للسلام -التى تحمل اسم الأديب الألماني الراحل إيريك ماريا ريمارك، المعروف برواياته حول السلام وتجسيم فظائع الحروب والديكتاتوريات، قد قرروا منح الجائزة التي تبلغ قيمتها 25 ألف يورو هذه السنة لعلي أحمد سعيد المعروف "بأدونيس"؛ تقديرًا لإسهاماته بفصل الدين عن الدولة، ومساواة النساء في العالم العربي وتنوير المجتمعات العربية.

تمنح جائزة السلام التي (تسلم إلى حائزها في نوفمبر، في فندق مدينة أوسنابروك، شمال غرب ألمانيا، مرة كل سنتين، لكاتب أفضل مقال صحافي أو أفضل نص أو أفضل رواية، تعالج موضوع السلام الداخلي والخارجي، سبق ونالها الكاتب الفرنسي المغربي الطاهر بن جلون، في 2011، عن أعماله التي تشجع التعايش السلمي بين الثقافتين المسيحية والإسلامية، كما منحت سنة 2009 إلى الكاتب السويدي هينينج مانكل، وتعرض الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش للانتقاد بسبب حصوله على الجائزة نفسها (2003)، مناصفة مع أكاديمي من دولة الاحتلال الصهيوني.

وكانت كلمته للجائزة كفيلة بإشعال حدة الانتقادات وقتها، إذ قال فيها «اعتبر منح الجائزة، في الوقت نفسه، إلى الأكاديمي الإسرائيلي دان بار أون، تحيةً لقوى السلام الإسرائيلية، وتشجيعًا لها على تطوير الاعتراف بالآخر، وإنقاذ الوعي الإسرائيلي من الوهم الشائع بقدرة الهيمنة العسكرية على فرض سلام الأمر الواقع».

لم يسلم كذلك صاحب «تأصيل الأصول»، من الانتقادات بعد إعلان فوزه بالجائزة، ولما لا والانتقادات دائمًا تسعى خلف أدونيس، وفي كل الأحيان كانت لا تربطها أية علاقة بإبداعه الأدبي، أو أفكاره الثقافية والمجتمعية، فلمجرد نصرته لنظام بشار الأسد، تشن عليه الهجمات اللاذعة.

وقالت بعض المواقع الإخبارية العربية عنه أنه "شخص لا علاقة له بالسلام"، ومن يقرأ الأخبار يتصور أن الجميع في ألمانيا يقفون ضد منح أدونيس الجائزة، في تحامل إعلامي واضح ضد الشاعر السوري، ولم تتطرق تلك الأخبار بأي شكل من الأشكال إلى تفاصيل الجائزة.

في العام الجاري، ترددت آراء أدونيس مرات عديدة في وسائل الإعلام المختلفة، وفي يناير الماضي اعتبر الشاعر والمفكر السوري البارز، في أول تعليق له على الهجوم الذي استهدف مجلة شارلي إبدو المجلة الفرنسة الساخرة، خلال ظهوره في "بي بي سي"، أن هذا الهجوم امتدادًا وانعكاسًا لثقافة العنف والإقصاء لدى بعض المسلمين، وتأكيدًا على ارتباط العنف بثقافتهم وعقيدتهم، وأن الهجوم على شارلي إبدو جريمة تلحق الضرر بالمسلمين أكثر من سواهم.

وانتقد صاحب كتاب الحصار، في فبراير الماضي، غياب الحداثة العربية، رغم كل الإنجازات التي حققها العرب في مختلف الميادين، مؤكدًا أن هذه الحداثة لن تتحقق إلا إذا تغير مسار الفكر والعقل، ودعا إلى إنشاء "جبهة مدنية علمانية على المستوى العربي"، تعمل على إحياء البحث والتفكير للوصول إلى ما يمكن أن نسميه حداثة، بحسب ما نقلته رويترز وقتها.

وفي ندوة بعنوان "نحو خطاب ديني جديد"، عقدت في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، قال أدونيس "الأطروحات والأفكار والقطائع التي حدثت بدايةً من القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) وبشكل خاص في بغداد أكثر جرأة وأكثر عمقًا وأكثر جذرية من أطروحاتنا المعاصرة اليوم". وطرح أدونيس تساؤلات بشأن ما يجري في المنطقة العربية حاليًا من عنف وصراعات، قائلًا "ما هو المشروع العربي اليوم للوقوف في وجه التطرف الديني؟ أين هو؟ ماذا تقدم الأنظمة؟ الجواب ليس لدينا أي مشروع، على عاتق الناس الذين يعيشون في دول مثل مصر وسوريا والعراق والتي أسهمت في صنع الحضارة البشرية مسؤولية أمام التاريخ وأمام الآخر.

خلال الندوة تطرق تفصيلًا عن الحداثة والدين "لا يوجد ما يسمى تجديد للدين، فكل تجديد للدين هو دين جديد لكن يمكن أن نغير تأويلنا للدين، كل تأويل هو تقويل للنص، نأول النص أي نفرض عليه أن يقول شيئًا مختلفًا، فالتأويل تقويل، أي نص مهما كان عظيمًا إذا مر في عقل صغير فإن هذا النص يصغر وإذا مر في عقل كبير فهذا النص على العكس يكبر، ليس هناك إسلام حقيقي وإسلام غير حقيقي، إنما قد يكون هناك مسلمون معتدلون ومسلمون متطرفون، تبعًا لقراءاتهم وتأويلاتهم، لكن الإسلام واحد".

وعندما سألته جريدة «السفير»: كيف تبدو لك اليوم صورة ما يحدث في البلدان العربية؟ أجاب: لا أعتقد أن أحداً تردد في الدفاع عن التحولات العربية والوقوف إلى جانبها، وهذا الانفجار كان محموداً ومطلوباً في تونس أو في القاهرة أو في البلدان العربية الأخرى، والجميع يعرف هذه التطورات، ولا أودّ الدخول في تفصيلاتها، لكن المآخذ الأولى عليها هو خلوّها من أي مشروع يشكّل خطوة نحو التغيير. ليس تغيير السلطة، بل تغيير المجتمع، وتغيير الأفكار، وتغيير الثقافة.

ويلاحظ أن وراء هذا الانفجار لم يكن هناك خطاب ثقافي تغييري، وأنّ الطابع العام لهذا الانفجار كان دينيًا، ولاحظنا أيضًا أنّ المشروع السياسي لهذا الانفجار هو مشروع عودة إلى أصول خانها الناس ويجب العودة إليها، وهي أصول دينية بشكل أو بآخر.

يضيف: إذا استثنينا القاهرة وتونس، لم يحدث تحرّك شعبي حقيقي وعضوي، بمعنى الانفجار لأسباب داخلية، فقد كانت الانفجارات اللاحقة خارجية أكثر منها داخلية، كنت أود أن أشاهد تظاهرة كبيرة تخرج من دمشق أو حلب، أي أن يخرج الناس إلى الشارع في تظاهرة لتغيير مجتمعهم، على غرار ما حدث نسبيًا في تونس أو في القاهرة.

وكان له ملاحظة أخرى: هي تحوّل هذه التحرّكات إلى حركات عنفية مسلحة، ما أفسح في المجال لدخول عناصر من الخارج، مرتزقة، يمارسون القتال على الأرض، هذا الدخول في التفصيلات مهم إذا ما ربطناه بالتاريخ العربي، باختصار، إنّ غاية الانفجار كانت تدور حول السلطة بهدف تغيير النظام، ولم يكن وراءها أي مشروع شامل على الإطلاق، فلم نشهد طوال تاريخ الثورات مشروعاً للتحرر يأتي من الخارج، لذلك فإنّ هذه التحرّكات قائمة على التبعيّة بشكل أو بآخر، واليوم، تبدو البلدان العربية أكثر تبعية للخارج من أي وقت مضى، فكيف يمكن أن نعيش حالة ثورية، في حين أن هذه الجماعات السياسية المسلحة تابعة لقوى الخارج ومرتهنة لها، وهو ما لم يحدث في تاريخ البلدان العربية، إذ باتت السياسة الأجنبية قادرة على احتلال العرب من داخلهم، وهذا الأمر يجب أن يرتبط بتاريخ معين وثقافة معينة.

يظل الإرهاب الفكري سلاحًا في قبضة الجماعات المتطرفة، تواجه به كل فكر مستنير، ومعطيات العام الجاري غير مطمئنة، إذ تجعلنا نسأل كلما تعرض مفكرًا أو كاتبًا لهجوم بسبب آراءه النقدية: هل انتصار الأفكار الظلامية في بلدان الشرق الأوسط بات حال مسلم به؟ أم يمتلك الالمفكرون العرب سلاحًا لردع الإرهاب؟

The post السلام يجلب الحرب على «أدونيس» appeared first on البديل.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > البداية
السلام يجلب الحرب على «أدونيس»,