الاستثمارات العربية وقناة السويس الجديدة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –

لقي مشروع قناة السويس الجديد الكثير من الاهتمام من قبل الخبراء والمحللين في الشؤون الاقتصادية والسياسية بجانب التغطية الكبيرة التي حظي بها هذا المشروع في الصحافة والإعلام العالمي سواء بالإشادة أوالنقد في ظل الصعوبات التي تواجهها مصر الشقيقة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ومدى الجدوى الاقتصادي لهذا المشروع والنجاح الذي يمكن أن يحققه لمصر في الوقت العاجل أم الآجل. ونتيجة للاهتمام العالمي لإنجاز هذا المشروع في سنته الأولى، فقد راعى الكثير من الرؤساء والحكام وممثليهم حضور حفل احتفال القناة الجديدة للوقوف على هذا الإنجاز المصري، ومن ضمنها السلطنة، حيث مثل المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم- حفظه الله ورعاه- في هذه المناسبة الكبيرة صاحب السمو السيد شهاب بن طارق آل سعيد الذي ترأس وفدا رفيع المستوى. وقد جاءت هذه الزيارة أيضا في إطار العلاقات العميقة والمميزة التي تربط السلطنة مع جمهورية مصر العربية الشقيقة رسميا وشعبيا منذ عام 1970. فالكثير من المسؤولين وأفراد الشعب العماني يرون بأن نهوض مصر وقدرتها في تنفيذ مثل هذه المشاريع الحيوية وازدهارها في مختلف الحقول الأخرى سوف يشكل إضافة كبيرة لجميع الدول العربية، وسيعزز مختلف المصالح الاقتصادية والاجتماعية لها أيضا بجانب تحقيق مزيد من الأمن والأمان ليس للمنطقة العربية فحسب، بل لجميع دول العالم أيضا في ظل الانفراج السياسي الذي شهدته المنطقة مؤخرا في أعقاب توقيع الاتفاقية بين الدول الخمس بمجلس الأمن الدولي وألمانيا من جهة وجمهورية إيران الاسلامية من جهة أخرى فيما يتعلق بالموضوع النووي.
وإذا كان هذا المشروع الكبير قد أنجز بسواعد المصريين وأموالهم الخاصة، وفي فترة ظرف عام واحد بدلا من ثلاث سنوات، فان ذلك يعني بأن المصريين قادرين على إنجاز الكثير من المشاريع الحيوية الأخرى التي هي بحاجة أليها، والتي يمكن أن تحقق لها المزيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال المرحلة المقبلة. فمثل هذه المشاريع تحتاج إلى الكثير من الاستثمارات المحلية والعربية والدولية. وكلما كانت هناك رقابة ومحاسبة وشفافية في متابعة هذه المشاريع ومنع ووقف الفساد في الصفقات وعمليات تنفيذ هذه المشاريع، فإنها بالتأكيد ستعمل على تنمية الدول. ومثل هذه النماذج واضحة أمام أعين العالم، وتجارب بعض الدول الآسيوية أثبتت النجاح في ظل الإشراف والمراقبة ومنع الفساد.
وفي هذا الإطار فإن الكثير من الخبراء والمحللين وفي ظل غياب التنمية الجيدة في الدول العربية، فان هؤلاء يعاتبون الدول العربية الغنية بسبب الهدر الذي يحصل في الأموال العربية نتيجة الصرف على الحروب والصراعات الجانبية والابتعاد عن تطوير القطاعات الاقتصادية والانتاجية ودعم المجالات التنموية والتفكير في المشاريع المثمرة. فمن خلال هذه المشاريع الحيوية والجيدة يمكن للدول العربية أن تقضي على الفقر والمجاعة والبطالة وغيرها من الآفات الأخرى. ولو استثمرت الأموال العربية في المشاريع المنتجة لكانت هذه الدول اليوم في مقدمة الدول الصناعية والزراعية في العالم. ولو تأملنا في تجارب الأمم أمامنا لرأينا أن الكثير من تجارب الدول الآسيوية كانت تفتقر إلى الصناعة الحديثة، وكانت تعاني قبل عقدين أو ثلاثة عقود من الفقر المدقع، ويعيش نصف سكانها تحت خط الفقر، وإذا بها اليوم تصبح من الدول الصناعية ليست على مستوى قارة آسيا، وإنما على المستوى العالمي. فعمليات البحث والابداع مستمرة لها أيضا. وهذا ما نراه اليوم في كوريا الجنوبية وتايوان وماليزيا وسنغافورة وغيرها من الدول التي أصبحنا لا نستطيع الحياة والعيش بدون منتجاتها وتقنياتها وأجهزتها الحديثة المتجددة، وخاصة في مجال التقنيات الالكترونية التي تقوم مصانعها بإنتاجها لأكبر الماركات الأمريكية والأوربية في العالم. وبذلك أصبحت تلك الدول مرتعا خصبا لهذه المنتجات في العالم.
إن مشروع قناة السويس الجديدة الذي طرحه الرئيس السيسي قبل فترة عام واحد من حكمه، أصبح اليوم واقعا حيا أمام أعيننا، وبذلك نرى اليوم أن المشروع أصبح حديث كل شخص ومسؤول وخبير في الدول العربية، في الوقت الذي يرى هؤلاء ضرورة توجيه تلك الاستثمارات العربية إلى مثل هذه المشاريع العملاقة، وتحويل الاراضي القاحلة إلى مدن زراعية تستطيع أن توفر الأمن الغذائي للمواطن العربي الذي مازال تبعيته قائمة على منتجات الدول الأجنبية. إن الأرض العربية تحتاج إلى الكثير من الاستثمارات للضخ بها وفتح قنوات ومجار مائية جديدة، وإنشاء موانئ وطرق برية وبحرية، وتأسيس مصانع ومناجم ومزارع بجانب إنشاء جامعات راقية ليتمكن الخريج من الحصول على الدراسة الجيدة ومن ثم الوظيفة المناسبة، ويساهم بعلمه لاحقا في تطوير وإصلاح الأرض وتحويلها من اليابسة إلى بساتين ممتلئة بمختلف أنواع الخضار والفواكه والمواد الزراعية الأخرى التي يتم استيرادها من الخارج، ويحد بذلك من التعبية الاقتصادية والسياسية أيضا.
وإذا كانت الأرض العربية تحتاج إلى الفكر النير والعقول المنتجة، فإنها تحتاج أيضا إلى الاستثمارات والأموال العربية لتحويل بقاعها إلى حقول منتجة سواء أكان ذلك في البر أو البحر. ومن هنا نرى أن الشعب المصري ينظر اليوم إلى مشروع توسعة قناة السويس بنظرة مختلفة باعتباره واحدا من المشاريع التي يمكن لها أن تقلل من المعاناة الاقتصادية التي تمر بها مصر الشقيقة. وهذا المشروع الذي يزيد حفر فرعه الجديد بطول 72 كم وعرض 317 مترا سوف يمكّن من زيادة حجم الملاحة في قناة السويس التي تعتبر واحدة من أهم الممرات المائية في العالم نتيجة ربطها للبحرين الأحمر والمتوسط، فيما تم إنجاز هذا المشروع الجديد في إطار الخطة الاقتصادية الطموحة التي تضعها مصر لنفسها لتطوير قطاعاتها الاقتصادية لتصبح مركزا لوجيستيا وصناعيا وتجاريا في الفترة المقبلة. كما ان هذا المشروع سيكون له تأثيرات كبيرة مباشرة وغير مباشرة سواء على حركة التجارة العالمية أوالنقل البحري العالمي، وبذلك يمكن له أن يساهم في تحقيق المزيد من الازدهار والرقي لمصر والدول العربية والعالم أجمع. فأحدث الدراسات في هذا الشأن تشير إلى أن القناة الحالية تحقق دخلا سنويا يبلغ نحو 5 مليارات دولار، ومن المفترض أن يرفع المشروع الجديد للقناة بتحقيق إيرادات تصل في حدود 15 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030، حيث تسمح القناه الجديدة بحركة المرور للسفن الكبيرة في الاتجاهين، فيما يمكّن المجرى الجديد للمشروع بتقليص وقت عبور السفن إلى 11 ساعة بدلا من 22 ساعة، مما يجعلها أسرع ممر مائي في العالم.
إن أهمية مشروع قناة السويس ظلت مستمرة منذ أن تم افتتاحها عام 1869 لأول مرة، حيث استغرق العمل على تخطيطه وبناء القناة أكثر من 15 سنة، بينما مشروع قناة السويس الجديدة يكمل تلك المرحلة ويسمح بمرور السفن العملاقة بغاطس حتى 66 قدما، الأمر الذي يؤكد على قدرة الإنسان المصري العربي على العمل والعطاء والإنجاز عندما تتهيأ له الظروف والمعطيات الضرورية والثقة والإشراف والرقابة المطلوبة، ويعمل في ظروف جيدة تمكنه من تحقيق الأهداف المراد الوصول إليها في الوقت المطلوب. إن الكثير من المشاريع الأخرى يمكن لها أن تقام على ضفاف هذه القناة الجديدة من خلال الاستثمارات الجديدة التي يمكن أن تضخ في هذا الشأن وتزيد بذلك من القيمة المضافة في الاقتصاد المصري من خلال توفير فرص عمل جديدة، ومشاريع أخرى يمكن تطويرها في القطاعات السياحية والعمرانية والزراعية في المستقبل. فما تم إنجازه في عام واحد يؤكد بأن الشعب المصري قادر على التخطيط العلمي، كما أنه قادر أيضا على العناية بالاستثمارات التي يمكن أن تدخل إلى المشاريع الجانبية للقناة الجديدة.

iNewsArabia.com > أخبار مختلطة > جريدة عمان