طارق الحبيب: العطاء في مرحلة التقاعد

طارق الحبيب

ارتبط مفهوم التقاعد فى كثير من الثقافات بمفهوم النهاية والتوقف عن العمل والعطاء، ولعل ذلك المفهوم المفتعل هو ماجعل تلك المرحلة محاطة بهالة من الحزن والخوف والملل وربما الانطواء والإكتئاب للشخص ومن حوله

وتشير معظم الدراسات النفسية إلى أن هناك آثارا سلبية ترتبط وتتزامن مع هذه المرحلة، وبرؤية نفسية نجد أن تلك الآثار ترتبط بالشخص نفسه ومدى استعداده المسبق لتلك المرحلة سواء الاستعداد المادي أو النفسي

أو الاجتماعي، فمرحلة التقاعد لا تمثل مشكلة نفسية بحد ذاتها و وإنما تتمثل المشكلة في الاستعداد غير الكافي وسوء التخطيط المسبق، مما يخلق مشاكل وضغوطا نفسية واجتماعية مركبة مثل الشعور الدائم بفقدان القيمة، الذي يتزامن مع الملل والنظرة الحدية للحياة والجمود الفكري، وكذلك الشعور بالاغتراب العاطفي، الذي يأتي نتجية اصطدام التوقعات من المجتمع وبين ماقد يحصل عليه المتقاعد فعلا من اهتمام وتقدير، تتمثل المشكلة أيضا في

العصبية والانفعال السلبي على أبسط الأمور لشعور المتقاعد المستمر بالضجر وعدم الرضا، مما يؤدي إلى الخوف من تقلص العلاقات الاجتماعية ويدفعه للمبادرة بالانزواء حتى لا يجد نفسه مجبورا عليه نهاية المطاف.

إن مرحلة التقاعد لا تمثل مرحلة العطاء المحدود وإنما هي مرحلة العطاء المختلف، ذلك لأن حقيقة الإنسان ليس بعدد سنوات عمره وإنما بمدى قدرته على استثمار خبرات حياته وتجاربه فى جميع مراحل حياته ومجالاته، فالتوازن فى نظرة المتقاعد لنفسه وتوقعاته من المجتمع يمنحه فرصة الأداء المتناغم والمنسجم مع تلك المرحلة، بمعنى أن مسؤلية تحديد أدوار المتقاعد الجديدة تقع عليه هو أولا عندما يبدع فى صياغة حياته حسب إمكانياته، وهو بذلك يشارك المجتمع الذي يكتمل بتجاربه التي تمتاز بالعقلانية والشمولية والعملية.

وقد ينشأ التصادم بين المتقاعد ومن حوله أحيانا عندما يهاب المحيطين تدخلات المتقاعد المتوقعة فى حياتهم التي قد تمس بحرية الأفراد كالزوجة والأبناء حتي الإخوة والأحفاد في بعض الحالات، فأزمة البعض تبدأ عندما يتعمد إقصاء المتقاعد وسلبه حقوقه الإنسانية بحجة جموده الفكري وعدم مناسبة توجهاته للعصر الحالي، تلك النظرة التي تركز على سلبيات المرحلة دون النظر إلى المكاسب التي تضيفها خبرة المتقاعد لحياتهم الاجتماعية والشخصية.

ويعتبر غياب النشاط الاجتماعي صدمة يعاني منها المتقاعد حين يجد نفسه أمام مجتمع يصنفه ضمن الماضي ولا يضعه ضمن أولوياته، ولكن عندما يدرك المتقاعد أن تلك المنغصات مجرد عقبات طبيعية يستطيع أن يدير حياته بحكمة تحافظ على دوره الحيوي فى الحياة.

إن احتواء المجتمع لتلك المرحلة لا يعني الشفقة أو الاستخفاف بالمتقاعد وإنما هو تقدير عملي فعلي لمشاعر ذلك الفرد واحترام مشاريعه المستجدة مهما كان حجمها طالما أنها لا تتعارض العرف العام.

وعلى الرغم من كل العوائق والصعوبات التي يواجهها المتقاعد ويعتبرها كرحلة شاقة، فهناك من الناس من يسير على هدى دون أن يتخاذل أو ينكسر، و يعي بأن العقبات بمثابة هدنة ذهنية وجسدية للفرد يعيد فيها تقييم مفاهيمه وتوجهاته بما يحقق له درجة كافية من التعايش والاندماج الاجتماعي واستغلال خبراته عن آخرها بما فيه مصلحته ومصلحة المجتمع بأسره.

iNewsArabia.com > رأي > اخبار الاهلى